تَعَالَى : { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ آلِ عِمْرَانَ : 31 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { فَلا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } [ النِّسَاءِ : 65 ] . أَقْسَمَ سُبْحَانَهُ بِنَفْسِهِ أَنَّهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوا نَبِيَّهُ وَيَرْضَوْا بِحُكْمِهِ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا .
قَوْلُهُ : " فَيَتَذَبْذَبُ بَيْنَ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ، وَالتَّصْدِيقِ وَالتَّكْذِيبِ ، وَالْإِقْرَارِ وَالْإِنْكَارِ ، مُوَسْوِسًا تَائِهًا ، شكا ، لَا مُؤْمِنًا مُصَدِّقًا ، وَلَا جَاحِدًا مُكَذِّبًا " .
ش : يَتَذَبْذَبُ : يَضْطَرِبُ وَيَتَرَدَّدُ , وَهَذِهِ الْحَالَةُ الَّتِي وَصَفَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ حَالُ كُلِّ مَنْ عَدَلَ عَنِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ إِلَى عِلْمِ الْكَلَامِ الْمَذْمُومِ ، أَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَعِنْدَ التَّعَارُضِ يَتَأَوَّلُ النَّصَّ وَيَرُدُّهُ إِلَى الرأي والآراء المختلفة ، فيؤول أَمْرُهُ إِلَى الْحَيْرَةِ وَالضَّلَالِ وَالشَّكِّ ، كَمَا قَالَ ابْنُ رُشْدٍ الْحَفِيدُ ، وَهُوَ مِنْ أَعْلَمِ النَّاسِ بِمَذَاهِبِ الْفَلَاسِفَةِ وَمَقَالَاتِهِمْ ، فِي كِتَابِهِ تَهَافُتِ التَّهَافُتِ : وَمَنِ الَّذِي قَالَ فِي الْإِلَهِيَّاتِ شَيْئًا يُعْتَدُّ بِهِ ؟ وَكَذَلِكَ الْآمِدِيُّ ، أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَاقِفٌ فِي الْمَسَائِلِ الْكِبَارِ حَائِرٌ , وَكَذَلِكَ الْغَزَالِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، انْتَهَى آخِرُ أَمْرِهِ إِلَى الْوَقْفِ وَالْحَيْرَةِ فِي الْمَسَائِلِ الْكَلَامِيَّةِ ، ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْ تِلْكَ الطُّرُقِ وَأَقْبَلَ عَلَى أَحَادِيثِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلم ، فمات و [ صحيح الإمام ] البخاري عَلَى صَدْرِهِ . وَكَذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ الرَّازِيُّ ، قَالَ فِي كِتَابِهِ الَّذِي صنفه : [ أَقْسَامِ ] اللَّذَّاتِ :
نِهَايَةُ إِقْدَامِ الْعُقُولِ عِقَالُ . . . وَغَايَةُ سَعْيِ الْعَالَمِينَ ضَلَالُ
وَأَرْوَاحُنَا فِي وَحْشَةٍ مِنْ جُسُومِنَا . . . وَحَاصِلُ دُنْيَانَا أَذَى وَوَبَالُ
وَلَمْ نَسْتَفِدْ مِنْ بَحْثِنَا طُولَ عُمْرِنَا . . . سِوَى أَنْ جَمَعْنَا فيه قيل وقالوا
فكم قد رَأَيْنَا مِنْ رِجَالٍ وَدَوْلَةٍ . . . فَبَادُوا جَمِيعًا مُسْرِعِينَ وَزَالُوا
وَكَمْ مِنْ جِبَالٍ قَدْ عَلَتْ شُرُفَاتِهَا . . . رِجَالٌ فَزَالُوا وَالْجِبَالُ جِبَالُ
لَقَدْ تَأَمَّلْتُ الطُّرُقَ الْكَلَامِيَّةَ ، وَالْمَنَاهِجَ الْفَلْسَفِيَّةَ ، فَمَا رَأَيْتُهَا تَشْفِي عَلِيلًا ، وَلَا تُرْوِي غَلِيلًا ، وَرَأَيْتُ أَقْرَبَ الطُّرُقِ طَرِيقَةَ الْقُرْآنِ ، اقْرَأْ فِي الْإِثْبَاتِ : { الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى } [ طه : 5 ] . { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [ فاطر : 10 ] . وأقرأ في
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 208
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص٢٠٨