تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 212

مساهمون:

ص٢١٢
الْوَاجِبُ دَفْعُ ذَلِكَ الْوَهْمِ وَحْدَهُ ، وَلَا يَعُمُّ بِنَفْيِهِ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ ، فَيَنْفِيَهُمَا رَدًّا عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الْبَاطِلَ ، بَلِ الْوَاجِبُ رَدُّ الْبَاطِلِ وَإِثْبَاتُ الْحَقِّ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ : وَمَنْ لَمْ يَتَوَقَّ النَّفْيَ وَالتَّشْبِيهَ ، زَلَّ وَلَمْ يُصِبِ التَّنْزِيهَ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُعْتَزِلَةَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُنَزِّهُونَ اللَّهَ بِهَذَا النَّفْيِ ! وَهَلْ يَكُونُ التَّنْزِيهُ بِنَفْيِ صِفَةِ الْكَمَالِ ؟ فَإِنَّ نَفْيَ الرُّؤْيَةِ لَيْسَ بِصِفَةِ كَمَالٍ ، إِذِ الْمَعْدُومُ لَا يُرَى ، وَإِنَّمَا الْكَمَالُ فِي إِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَنَفْيِ إِدْرَاكِ الرَّائِي لَهُ إِدْرَاكَ إِحَاطَةٍ ، كَمَا فِي الْعِلْمِ ، فَإِنَّ نَفْيَ الْعِلْمِ بِهِ لَيْسَ بِكَمَالٍ ، وَإِنَّمَا الْكَمَالُ فِي إِثْبَاتِ الْعِلْمِ وَنَفْيِ الْإِحَاطَةِ بِهِ عِلْمًا . فَهُوَ سُبْحَانَهُ لَا يُحَاطُ بِهِ رُؤْيَةً ، كَمَا لَا يُحَاطُ بِهِ عِلْمًا . وَقَوْلُهُ : " أَوْ تَأَوَّلَهَا بِفَهْمٍ " أَيِ ادَّعَى أَنَّهُ فَهِمَ لَهَا تَأْوِيلًا يُخَالِفُ ظَاهِرَهَا ، وَمَا يَفْهَمُهُ كُلُّ عَرَبِيٍّ مِنْ مَعْنَاهَا ، فَإِنَّهُ قَدْ صَارَ اصْطِلَاحُ الْمُتَأَخِّرِينَ فِي مَعْنَى التَّأْوِيلِ : أَنَّهُ صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ ، وَبِهَذَا تَسَلَّطَ الْمُحَرِّفُونَ عَلَى النُّصُوصِ ، وَقَالُوا : نَحْنُ نَتَأَوَّلُ مَا يُخَالِفُ قَوْلَنَا ، فَسَمَّوُا التَّحْرِيفَ : تَأْوِيلًا ، تَزْيِينًا لَهُ وَزَخْرَفَةً لِيُقْبَلَ ، وَقَدْ ذَمَّ اللَّهُ الَّذِينَ زَخْرَفُوا الْبَاطِلَ ، قَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا } [ الْأَنْعَامِ : 112 ] . وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي لَا لِلْأَلْفَاظِ , فَكَمْ مِنْ بَاطِلٍ قَدْ أُقِيمَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ مُزَخْرَفٌ عُورِضَ بِهِ دَلِيلُ الْحَقِّ . وَكَلَامُهُ هَنَا نَظِيرُ قَوْلِهِ فِيمَا تَقَدَّمَ : لَا نَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مُتَأَوِّلِينَ بِآرَائِنَا ، وَلَا مُتَوَهِّمِينَ بِأَهْوَائِنَا . ثُمَّ أَكَّدَ هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ : إِذَا كَانَ تَأْوِيلُ الرُّؤْيَةِ , وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التَّأْوِيلِ ، وَلُزُومَ التَّسْلِيمِ ، وَعَلَيْهِ دِينُ الْمُسْلِمِينَ . وَمُرَادُهُ تَرْكُ التَّأْوِيلِ [ الَّذِي ] يُسَمُّونَهُ تَأْوِيلًا ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ , وَلَكِنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللَّهُ تَأَدَّبَ وَجَادَلَ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ، كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ : { وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن } [ النَّحْلِ : 125 ] . وَلَيْسَ مُرَادُهُ تَرْكَ كُلِّ مَا يُسَمَّى تَأْوِيلًا ، وَلَا تَرْكَ شيئا مِنَ الظَّوَاهِرِ لِبَعْضِ النَّاسِ لِدَلِيلٍ رَاجِحٍ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ , وَإِنَّمَا مُرَادُهُ تَرْكُ التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ الْمُبْتَدَعَةِ ، الْمُخَالَفَةِ لِمَذْهَبِ السَّلَفِ ، الَّتِي يَدُلُّ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ عَلَى فَسَادِهَا ، وَتَرْكُ الْقَوْلِ عَلَى اللَّهِ بِلَا عِلْمٍ . فَمِنَ التَّأْوِيلَاتِ الْفَاسِدَةِ ، تَأْوِيلُ أَدِلَّةِ الرُّؤْيَةِ ، وَأَدِلَّةِ الْعُلُوِّ ، وَأَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا ، وَلَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا ! ثُمَّ قَدْ صَارَ لَفْظُ " التَّأْوِيلِ " مُسْتَعْمَلًا فِي غَيْرِ مَعْنَاهُ الأصلي .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 212 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء