تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ . لَكِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : إَنَّ فِيهِ عِلَّةً ، بِخِلَافِ حَدِيثِ مُوسَى ، فَإِنَّهُ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ فِيهِ بِاتِّفَاقِهِمْ . وَقَدْ أَجَابَ بَعْضُهُمْ بِجَوَابٍ آخَرَ ، وَهُوَ : أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَا تُفَضِّلُونِي عَلَى مُوسَى " 1 ، وَقَوْلَهُ : " لَا تُفَضِّلُوا بَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ " نَهْيٌ عَنِ التَّفْضِيلِ الْخَاصِّ ، أَيْ : لَا يُفَضَّلُ بَعْضُ الرُّسُلِ عَلَى بَعْضٍ بِعَيْنِهِ ، بِخِلَافِ قَوْلِهِ : " أَنَا سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ وَلَا فَخْرَ " 2 فَإِنَّهُ تَفْضِيلٌ عَامٌّ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ . وَهَذَا كَمَا لَوْ قِيلَ : فُلَانٌ أفضل أهل البلد ، لا ينصب عَلَى أَفْرَادِهِمْ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قِيلَ لِأَحَدِهِمْ : فُلَانٌ أَفْضَلُ مِنْكَ . ثُمَّ إِنِّي رَأَيْتُ الطَّحَاوِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ أَجَابَ بِهَذَا الْجَوَابِ فِي " شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ " . وَأَمَّا مَا يُرْوَى أَنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال : " لا تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ [ بْنِ مَتَّى ] " 3 ، وَأَنَّ بَعْضَ الشُّيُوخِ قَالَ : لَا يُفَسِّرُ لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ حَتَّى يُعْطَى مَالًا جَزِيلًا ، فَلَمَّا أَعْطَوْهُ فَسَّرَهُ بِأَنَّ قُرْبَ يُونُسَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ كَقُرْبِي مِنَ اللَّهِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ وَعَدُّوا هَذَا تَفْسِيرًا عَظِيمًا , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَهْلِهِمْ بِكَلَامِ اللَّهِ وَبِكَلَامِ رَسُولِهِ لَفْظًا وَمَعْنًى ، فَإِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذَا اللَّفْظِ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْكُتُبِ الَّتِي يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا اللَّفْظُ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ : " لَا يَنْبَغِي لِعَبْدٍ أَنْ يَقُولَ أَنَا خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ ابن مَتَّى " 4 . وَفِي رِوَايَةٍ : " مَنْ قَالَ : إِنِّي خَيْرٌ مِنْ يُونُسَ بْنِ مَتَّى فَقَدْ كَذَبَ " . وَهَذَا اللَّفْظُ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ ، " لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُفَضِّلَ نَفْسَهُ عَلَى يُونُسَ بْنِ مَتَّى " ، لَيْسَ فِيهِ نَهْيُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُفَضِّلُوا مُحَمَّدًا عَلَى يُونُسَ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ الْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ، أَيْ : فَاعِلٌ مَا يُلَامُ عَلَيْهِ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ } [ سورة الأنبياء : 87 ] . فقد يقع في نفس بعض
هامش
1 صحيح ، وتقدم قريبا . 2 صحيح ، وتقدم قريبا . 3 لا أعرف له أصلا بهذا اللفظ ، وتقدم قريبا في حديث أبي هريرة : " ولا أقول : إن أحدا أفضل من يونس بن متى " . 4 مسلم وأحمد وغيرهما ولفظه عند مسلم " 2376 " : " قال : يعني الله تبارك وتعالى : لا ينبغي لعبد لي " . وفي لفظ : " لعبدي " . والرواية الأخرى للبخاري في " التفسير " .