وَقَالَ : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ } [ سورة التَّكْوِيرِ : 29 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } [ سورة الْأَنْعَامِ : 111 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ } [ سورة الْأَنْعَامِ : 112 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآَمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا } [ سورة يُونُسَ : 99 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ } [ سورة الْأَنْعَامِ : 125 ] . وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً [ عَنْ ] نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ : { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ } [ سورة هُودٍ : 34 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { مَنْ يَشَأِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ سورة الْأَنْعَامِ : 39 ] . إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَدِلَّةِ عَلَى أَنَّهُ مَا شَاءَ اللَّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ . وَكَيْفَ [ يَكُونُ ] فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ ! وَمَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا وَأَكْفَرُ مِمَّنْ يَزْعُمُ أَنَّ اللَّهَ شَاءَ الْإِيمَانَ مِنَ الْكَافِرِ وَالْكَافِرُ شَاءَ الْكُفْرَ فَغَلَبَتْ مَشِيئَةُ الْكَافِرِ مَشِيئَةَ اللَّهِ ! ! تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
فَإِنْ قِيلَ : يُشْكِلُ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آَبَاؤُنَا } [ سورة الْأَنْعَامِ : 148 ] الْآيَةَ , وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ } [ سورة النَّحْلِ : 35 ] ، الْآيَةَ . وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ } [ سورة الزُّخْرُفِ : 20 ] . فَقَدْ ذَمَّهُمُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ جَعَلُوا الشِّرْكَ كَائِنًا مِنْهُمْ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ ذَمَّ إِبْلِيسَ حَيْثُ أَضَافَ الْإِغْوَاءَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى ، إِذْ قَالَ : { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ } [ سورة الْحِجْرِ : 39 ] .
قِيلَ : قَدْ أُجِيبَ عَلَى هَذَا بِأَجْوِبَةٍ ، مِنْ أَحْسَنِهَا : أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ لِأَنَّهُمُ احْتَجُّوا بِمَشِيئَتِهِ عَلَى رِضَاهُ وَمَحَبَّتِهِ ، وَقَالُوا : لَوْ [ كَرِهَ ] ذَلِكَ وَسَخِطَهُ لَمَا شَاءَهُ ، فَجَعَلُوا مَشِيئَتَهُ دَلِيلَ رِضَاهُ ، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ , أَوْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمُ اعْتِقَادَهُمْ أَنَّ مَشِيئَةَ اللَّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَمْرِهِ بِهِ , أَوْ أَنَّهُ أَنْكَرَ عليهم معارضته شَرْعِهِ وَأَمْرِهِ الَّذِي أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ ، فَجَعَلُوا الْمَشِيئَةَ الْعَامَّةَ دَافِعَةً لِلْأَمْرِ ، فَلَمْ يَذْكُرُوا الْمَشِيئَةَ عَلَى جِهَةِ التَّوْحِيدِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرُوهَا مُعَارِضِينَ بِهَا لِأَمْرِهِ ، دَافِعِينَ بها لشرعه ،
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 146
مساهمون: ابن أبي العز الحنفي
ص١٤٦