تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 147

مساهمون:

ص١٤٧
كَفِعْلِ الزَّنَادِقَةِ ، وَالْجُهَّالِ إِذَا أُمِرُوا أَوْ نُهُوا احْتَجُّوا بِالْقَدَرِ . وَقَدِ احْتَجَّ سَارِقٌ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالْقَدَرِ ، فَقَالَ : وَأَنَا أَقْطَعُ يَدَكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ . يَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْآيَةِ : { كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } [ سورة الْأَنْعَامِ : 148 ] . فَعُلِمَ أَنَّ مُرَادَهُمُ التَّكْذِيبُ ، فَهُوَ مِنْ قَبْلِ الْفِعْلِ ، مِنْ أَيْنَ لَهُ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُقَدِّرْهُ ؟ أَطَّلَعَ الْغَيْبَ ؟ فَإِنْ قِيلَ : فَمَا يقولون فِي احْتِجَاجِ آدَمَ عَلَى مُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِالْقَدَرِ ، إِذْ قَالَ لَهُ : أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ عَامًا ؟ وَشَهِدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ آدَمَ حَجَّ مُوسَى ، أَيْ : غَلَبَ عليه بالحجة ؟ قيل . : تتلقاه بِالْقَبُولِ وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ ، لِصِحَّتِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ، ولا تتلقاه بِالرَّدِّ وَالتَّكْذِيبِ لِرَاوِيهِ ، كَمَا فَعَلَتِ الْقَدَرِيَّةُ ، وَلَا بِالتَّأْوِيلَاتِ الْبَارِدَةِ , بَلِ الصَّحِيحُ أَنَّ آدَمَ لَمْ يَحْتَجَّ بِالْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ عَلَى الذَّنْبِ ، وَهُوَ كَانَ أَعْلَمَ بِرَبِّهِ وَذَنْبِهِ ، بَلْ آحَادُ بَنِيهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَا يَحْتَجُّ بِالْقَدَرِ ، فَإِنَّهُ بَاطِلٌ . وَمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ أَعْلَمَ بِأَبِيهِ وَبِذَنْبِهِ [ مِنْ ] أَنْ يَلُومَ آدَمَ عَلَى ذَنْبٍ قَدْ تَابَ مِنْهُ وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اللَّوْمُ عَلَى الْمُصِيبَةِ الَّتِي أَخْرَجَتْ أَوْلَادَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَاحْتَجَّ آدَمُ بِالْقَدَرِ عَلَى الْمُصِيبَةِ ، لَا عَلَى الْخَطِيئَةِ ، فَإِنَّ الْقَدَرَ يُحْتَجُّ بِهِ عِنْدَ الْمَصَائِبِ ، لَا عِنْدَ الْمَعَائِبِ , وَهَذَا الْمَعْنَى أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي الْحَدِيثِ , فَمَا قُدِّرَ مِنَ الْمَصَائِبِ يَجِبُ الِاسْتِسْلَامُ لَهُ ، فَإِنَّهُ مِنْ تَمَامِ الرِّضَى بِاللَّهِ رَبًّا ، وَأَمَّا الذُّنُوبُ فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يُذْنِبَ ، وَإِذَا أَذْنَبَ فَعَلَيْهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيَتُوبَ , فَيَتُوبَ مِنَ الْمَعَائِبِ ، وَيَصْبِرَ عَلَى الْمَصَائِبِ . قَالَ تَعَالَى : { فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ } [ سورة الْمُؤْمِنِ : 55 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا } [ سورة آلِ عِمْرَانَ : 120 ] . وَأَمَّا قَوْلُ إِبْلِيسَ : { رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي } ، إِنَّمَا ذُمَّ عَلَى احْتِجَاجِهِ بِالْقَدَرِ ، لَا عَلَى اعْتِرَافِهِ بِالْمُقَدَّرِ وَإِثْبَاتِهِ لَهُ . أَلَمْ تَسْمَعْ قَوْلَ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ : { وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ } . ولقد أحسن القائل : فما شئتَ كان [ و ] إن لَمْ أَشَأْ . . . وَمَا شئتُ إِنْ لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَعَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ، أَنَّهُ قَالَ : نَظَرْتُ فِي الْقَدَرِ فَتَحَيَّرْتُ ، ثُمَّ نَظَرْتُ فيه
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 147 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء