تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 143

مساهمون:

ص١٤٣
وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ كَانَ خَيْرًا وَأَفْضَلَ " 1 , فَالْمَقْتُولُ مَيِّتٌ بِأَجَلِهِ ، فَعَلِمَ اللَّهُ تَعَالَى وَقَدَّرَ وَقَضَى أَنَّ هَذَا يَمُوتُ بِسَبَبِ الْمَرَضِ ، وَهَذَا بِسَبَبِ الْقَتْلِ ، وَهَذَا بِسَبَبِ الْهَدْمِ ، وَهَذَا بِسَبَبِ الْحَرْقِ ، وَهَذَا بِالْغَرَقِ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْأَسْبَابِ , وَاللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ ، وَخَلَقَ سَبَبَ الْمَوْتِ وَالْحَيَاةِ . وَعِنْدَ الْمُعْتَزِلَةِ : الْمَقْتُولُ مَقْطُوعٌ عَلَيْهِ أَجَلُهُ ، وَلَوْ لَمْ يُقْتَلْ لَعَاشَ إِلَى أَجَلِهِ فَكَأَنَّ لَهُ أَجَلَانِ وَهَذَا بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلِيقُ أَنْ يُنْسَبَ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّهُ جَعَلَ لَهُ أَجَلًا يَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يَعِيشُ إِلَيْهِ الْبَتَّةَ ، أَوْ يَجْعَلُ أَجَلَهُ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ ، كَفِعْلِ الْجَاهِلِ بِالْعَوَاقِبِ ، وَوُجُوبِ الْقِصَاصِ وَالضَّمَانِ عَلَى الْقَاتِلِ ، لِارْتِكَابِهِ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَمُبَاشَرَتِهِ السَّبَبَ الْمَحْظُورَ , وَعَلَى هَذَا يَخْرُجُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " صِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ " 2 أَيْ : سَبَبُ طُولِ الْعُمُرِ , وَقَدْ قَدَّرَ اللَّهُ أَنَّ هَذَا يَصِلُ رَحِمَهُ فَيَعِيشُ بِهَذَا السَّبَبِ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ السَّبَبُ لَمْ يَصِلْ إِلَى هَذِهِ الْغَايَةِ ، وَلَكِنْ قَدَّرَ هَذَا السَّبَبَ وَقَضَاهُ ، وَكَذَلِكَ قَدَّرَ أَنَّ هَذَا يَقْطَعُ رَحِمَهُ فَيَعِيشُ إِلَى كَذَا ، كَمَا قُلْنَا فِي الْقَتْلِ وَعَدَمِهِ . فَإِنْ قِيلَ : هَلْ يَلْزَمُ مِنْ تَأْثِيرِ صِلَةِ الرَّحِمِ فِي زِيَادَةِ الْعُمُرِ وَنُقْصَانِهِ تَأْثِيرُ الدُّعَاءِ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ ، لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمِّ حَبِيبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا : " قَدْ سَأَلَتِ اللَّهَ تَعَالَى لِآجَالٍ مَضْرُوبَةٍ . . . " الْحَدِيثَ ، كَمَا تَقَدَّمَ . فَعُلِمَ أَنَّ الْأَعْمَارَ مُقَدَّرَةٌ ، لَمْ يُشْرَعِ الدُّعَاءُ بِتَغَيُّرِهَا ، بِخِلَافِ النَّجَاةِ مِنْ عَذَابِ الْآخِرَةِ , فَإِنَّ الدُّعَاءَ مَشْرُوعٌ لَهُ نَافِعٌ فِيهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدُّعَاءَ بِتَغْيِيرِ الْعُمُرِ لَمَّا تَضَمَّنَ النَّفْعَ الْأُخْرَوِيَّ , شُرِعَ كَمَا فِي الدُّعَاءِ رَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي مَا كَانَتِ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إِذَا كانت
هامش
1 صحيح ، وهو عند مسلم في " القدر " , وأحمد في المسند " 1 / 390 ، 413 ، 433 ، 445 ، 446 " , وابن أبي عاصم في " السنة " رقم " 262 - 263 " . 2 صحيح ، وهو قطعة من حديث رواه أبو يعلى عن أنس بسند ضعيف ، لكن معناه صحيح ، يشهد له أحاديث كثيرة منها حديث أنس أيضا مرفوعا : " من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره ، فليصل رحمه " . متفق عليه .