لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا } [ الْكَهْفِ : 109 ] .
وَالْمُثْبِتُ إِنَّمَا هُوَ الْكَمَالُ 1 الْمُمْكِنُ الْوُجُودِ ، وَحِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ النَّوْعُ دَائِمًا فَالْمُمْكِنُ وَالْأَكْمَلُ هُوَ التَّقَدُّمُ 2 عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَفْرَادِ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِي أَجْزَاءِ الْعَالَمِ شَيْءٌ يُقَارِنُهُ بِوَجْهٍ مِنَ الْوُجُوهِ .
وَأَمَّا دَوَامُ الْفِعْلِ فَهُوَ أَيْضًا مِنَ الْكَمَالِ ، فَإِنَّ الْفِعْلَ إِذَا كَانَ صِفَةَ كَمَالٍ فدوامه دوام كمال .
قَالُوا : وَالتَّسَلْسُلُ لَفْظٌ مُجْمَلٌ ، لَمْ يَرِدْ بِنَفْيِهِ وَلَا إِثْبَاتِهِ كِتَابٌ وَلَا سُنَّةٌ ، لِيَجِبَ مُرَاعَاةُ لَفْظِهِ ، وَهُوَ يَنْقَسِمُ إِلَى وَاجِبٍ وَمُمْتَنِعٍ وَمُمْكِنٍ , فالتسلسل فِي الْمُؤَثِّرِينَ مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُؤَثِّرُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمُ اسْتَفَادَ تَأْثِيرَهُ مما قَبْلَهُ لَا إِلَى غَايَةٍ .
وَالتَّسَلْسُلُ الْوَاجِبُ : مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْعَقْلُ وَالشَّرْعُ ، مِنْ دَوَامِ أَفْعَالِ الرَّبِّ تَعَالَى فِي الْأَبَدِ ، وَأَنَّهُ كُلَّمَا انْقَضَى لِأَهْلِ الْجَنَّةِ نَعِيمٌ أَحْدَثَ لَهُمْ نَعِيمًا آخَرَ لَا نَفَادَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ التَّسَلْسُلُ فِي أَفْعَالِهِ سُبْحَانَهُ مِنْ طَرَفِ الْأَزَلِ ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ مَسْبُوقٌ بِفِعْلٍ آخَرَ ، فَهَذَا وَاجِبٌ فِي كَلَامِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَزَلْ مُتَكَلِّمًا إِذَا شَاءَ ، وَلَمْ تَحْدُثْ لَهُ صِفَةُ الْكَلَامِ فِي وَقْتٍ ، وَهَكَذَا أَفْعَالُهُ الَّتِي هِيَ مِنْ لَوَازِمِ حَيَاتِهِ ، فَإِنَّ كُلَّ حَيٍّ فَعَّالٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْحَيِّ وَالْمَيِّتِ : الفعل ، وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنَ السَّلَفِ : الْحَيُّ الْفَعَّالُ ، وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ : كُلُّ حَيٍّ فَعَّالٌ ، وَلَمْ يَكُنْ رَبُّنَا تَعَالَى قَطُّ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ مُعَطَّلًا عَنْ كَمَالِهِ ، مِنَ الْكَلَامِ وَالْإِرَادَةِ وَالْفِعْلِ .
وَأَمَّا التَّسَلْسُلُ الْمُمْكِنُ : فَالتَّسَلْسُلُ فِي مَفْعُولَاتِهِ مِنْ هَذَا الطَّرَفِ ، كَمَا تَتَسَلْسَلُ فِي طَرَفِ الْأَبَدِ ، فَإِنَّهُ إِذَا لَمْ يَزَلْ حَيًّا قَادِرًا مُرِيدًا مُتَكَلِّمًا ، وَذَلِكَ مِنْ لَوَازِمِ ذاته , فالفعل ممكن له بموجب هَذِهِ الصِّفَاتِ لَهُ ، وَأَنْ يَفْعَلَ أَكْمَلُ مِنْ أَنْ لَا يَفْعَلَ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَزَلِ الْخَلْقُ مَعَهُ ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَقَدُّمًا لَا أَوَّلَ لَهُ ، فَلِكُلِّ مَخْلُوقٍ أَوَّلُ ، وَالْخَالِقُ سُبْحَانَهُ لَا أَوَّلَ لَهُ ، فَهُوَ وَحْدَهُ الْخَالِقُ ، وَكُلُّ مَا سِوَاهُ مَخْلُوقٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لم يكن .
هامش
1 في المطبوعة : الكلام وهو خطأ .
2 في المطبوعة : هو القديم وهو خطأ .