تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 132

مساهمون:

ص١٣٢
كَلَامِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْنَعُهُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ وَالْجَنَّةُ وَالنَّارُ مَخْلُوقَتَانِ لَا تَفْنَيَانِ أَبَدًا وَلَا تَبِيدَانِ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ , وَلَا شَكَّ فِي فَسَادِ قَوْلِ مَنْ مَنَعَ ذَلِكَ فِي الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ ، كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجَهْمُ وَأَتْبَاعُهُ ، وَقَالَ بِفَنَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، لِمَا يَأْتِي مِنَ الْأَدِلَّةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِجَوَازِ حَوَادِثَ لَا أَوَّلَ لَهَا ، مِنَ الْقَائِلِينَ بِحَوَادِثَ لَا آخِرَ لَهَا , فَأَظْهَرُ فِي الصِّحَّةِ مِنْ قَوْلِ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ حَيًّا ، وَالْفِعْلُ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاةِ ، فَلَمْ يَزَلْ فَاعِلًا لِمَا يُرِيدُ ، كَمَا وَصَفَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ ، حَيْثُ يَقُولُ : { ذُو الْعَرْشِ الْمَجِيدُ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ } [ سورة الْبُرُوجِ : 15 ، 16 ] . وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى أُمُورٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ تَعَالَى يَفْعَلُ بِإِرَادَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ . الثَّانِي : أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ ، لِأَنَّهُ سَاقَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ المدح والثناء على نفسه ، [ و ] أن ذَلِكَ مِنْ كَمَالِهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَادِمًا لِهَذَا الْكَمَالِ فِي وَقْتٍ مِنَ الْأَوْقَاتِ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ } [ سورة النَّحْلِ : 17 ] . وَلِمَا كَانَ مِنْ أَوْصَافِ كَمَالِهِ وَنُعُوتِ جَلَالِهِ لَمْ يَكُنْ حَادِثًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ . الثَّالِثُ : أَنَّهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا فَعَلَهُ ، فَإِنَّ مَا مَوْصُولَةٌ عَامَّةٌ ، أَيْ : يَفْعَلُ كُلَّ مَا يُرِيدُ أَنْ يَفْعَلَهُ ، وَهَذَا فِي إِرَادَتِهِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِفِعْلِهِ , وَأَمَّا إِرَادَتُهُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِفِعْلِ الْعَبْدِ فَتِلْكَ لَهَا شَأْنٌ آخَرُ , فَإِنْ أَرَادَ فِعْلَ الْعَبْدِ وَلَمْ يُرِدْ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ عَلَيْهِ وَيَجْعَلَهُ فَاعِلًا لَمْ يُوجَدِ الْفِعْلُ وَإِنْ أَرَادَهُ حَتَّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَجْعَلَهُ فَاعِلًا , وَهَذِهِ هِيَ النُّكْتَةُ الَّتِي خَفِيَتْ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَالْجَبْرِيَّةِ ، وَخَبَطُوا فِي مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ ، لِغَفْلَتِهِمْ عَنْهَا ، وَفَرْقٌ بَيْنَ إِرَادَتِهِ أَنْ يَفْعَلَ الْعَبْدُ وَإِرَادَةِ أَنْ يَجْعَلَهُ فَاعِلًا ، وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى مَسْأَلَةِ الْقَدَرِ فِي مَوْضِعِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . الرَّابِعُ : أَنَّ فِعْلَهُ وَإِرَادَتَهُ مُتَلَازِمَانِ ، فَمَا أراد أن يفعل فعل ، وَمَا فَعَلَهُ فَقَدْ أَرَادَهُ . بِخِلَافِ الْمَخْلُوقِ ، فَإِنَّهُ يُرِيدُ مَا لَا يَفْعَلُ ، [ وَقَدْ يَفْعَلُ ] مَا لا يريده , فَمَا ثَمَّ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ إِلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ . الْخَامِسُ : إِثْبَاتُ إِرَادَاتٍ مُتَعَدِّدَةٍ بِحَسَبِ الْأَفْعَالِ ، وَأَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَهُ إِرَادَةٌ
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 132 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء