تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
قَالُوا : وَكُلُّ قَوْلٍ سِوَى هَذَا فَصَرِيحُ الْعَقْلِ يَرُدُّهُ وَيَقْضِي بِبُطْلَانِهِ ، وَكُلُّ مَنِ اعْتَرَفَ بِأَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ لَزِمَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ ، لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُمَا : إِمَّا أَنْ يَقُولَ بِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَزَلْ مُمْكِنًا ، وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ لَمْ يَزَلْ وَاقِعًا ، وَإِلَّا تَنَاقَضَ تَنَاقُضًا بَيِّنًا ، حَيْثُ زَعَمَ أَنَّ الرَّبَّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ قَادِرًا عَلَى الْفِعْلِ ، وَالْفِعْلُ مُحَالٌ مُمْتَنِعٌ لِذَاتِهِ ، لَوْ أَرَادَهُ لَمْ يُمْكِنْ وُجُودُهُ ، بَلْ فَرْضُ إِرَادَتِهِ عِنْدَهُ مُحَالٌ وَهُوَ مَقْدُورٌ لَهُ , وَهَذَا قَوْلٌ يَنْقُضُ بَعْضُهُ بَعْضًا . وَالْمَقْصُودُ : أَنَّ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الشَّرْعُ وَالْعَقْلُ ، أَنَّ كُلَّ مَا سِوَى اللَّهِ تَعَالَى مُحْدَثٌ كَائِنٌ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ , أَمَّا كَوْنُ الرَّبِّ تَعَالَى لَمْ يَزَلْ مُعَطَّلًا عَنِ الْفِعْلِ ثُمَّ فَعَلَ ، فَلَيْسَ فِي الشَّرْعِ وَلَا فِي الْعَقْلِ مَا يُثْبِتُهُ ، بَلْ كِلَاهُمَا يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِهِ . وَقَدْ أَوْرَدَ أَبُو الْمَعَالِي فِي إِرْشَادِهِ وَغَيْرُهُ مِنَ النُّظَّارِ عَلَى التَّسَلْسُلِ فِي الماضي ، فقالوا : إنك لَوْ قُلْتَ : لَا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا إِلَّا أُعْطِيكَ بَعْدَهُ دِرْهَمًا ، كَانَ هَذَا مُمْكِنًا ، وَلَوْ قُلْتَ : لَا أُعْطِيكَ دِرْهَمًا حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا ، كَانَ هَذَا مُمْتَنِعًا . وَهَذَا التَّمْثِيلُ وَالْمُوَازَنَةُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ ، بَلِ الْمُوَازَنَةُ الصَّحِيحَةُ أَنْ تَقُولَ : مَا أَعْطَيْتُكَ دِرْهَمًا إِلَّا أَعْطَيْتُكَ قَبْلَهُ دِرْهَمًا ، فَتَجْعَلَ مَاضِيًا قَبْلَ مَاضٍ ، كَمَا جَعَلْتَ هُنَاكَ مُسْتَقْبَلًا بَعْدَ مُسْتَقْبَلٍ , وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ : لَا أُعْطِيكَ حَتَّى أُعْطِيَكَ قَبْلَهُ ، فَهُوَ نَفْيٌ لِلْمُسْتَقْبَلِ حَتَّى يَحْصُلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ وَيَكُونُ قَبْلَهُ , فَقَدْ نَفَى المستقبل حتى يوجد المستقبل ، وهذا ممتنع , أما نفي الْمَاضِيَ حَتَّى يَكُونَ قَبْلَهُ مَاضٍ ، فَإِنَّ هَذَا ممكن , والعطاء المستقبل ابتداؤه من المستقبل 1 , والمعطى 2 الَّذِي لَهُ ابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ لَا يَكُونُ قَبْلَهُ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ ، فَإِنَّ مَا لَا نِهَايَةَ لَهُ فِيمَا يَتَنَاهَى مُمْتَنِعٌ . قَوْلُهُ : " لَيْسَ بعد خَلَقَ الْخَلْقَ اسْتَفَادَ اسْمَ " الْخَالِقِ " وَلَا بِإِحْدَاثِهِ الْبَرِيَّةَ اسْتَفَادَ اسْمَ " الْبَارِي " " . ش : ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ يَمْنَعُ تَسَلْسُلَ الْحَوَادِثِ في الماضي ، ويأتي في
هامش
1 في المطبوعة : إيتاؤه من المعطي . 2 في المطبوعة : والمستقبل .
شرح العقيدة الطحاوية ( ط دار السلام ) — صفحة 131 | ابن أبي العز الحنفي / جماعة من العلماء