الْآخَرُ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ : وَدِدْتُ أَنِّي أَحُكُّ مِنَ الْمُصْحَفِ قَوْلَهُ تَعَالَى : { ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } ( 1 ) فَنَسْأَلُ اللَّهَ الْعَظِيمَ السَّمِيعَ الْبَصِيرَ أَنْ يُثَبِّتَنَا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ، بِمَنِّهِ وَكَرَمِهِ .
وَفِي إِعْرَابِ كَمِثْلِهِ - وُجُوهٌ ، أَحَدُهَا : أَنَّ الْكَافَ صِلَةٌ زِيدَتْ لِلتَّأْكِيدِ ، قَالَ أَوْسُ بْنُ حَجَرٍ :
لَيْسَ كَمِثْلِ الْفَتَى زُهَيْرٍ . . . خَلْقٌ يُوَازِيهِ فِي الْفَضَائِلِ
وَقَالَ آخَرُ :
مَا إِنْ كَمِثْلِهِمُ فِي النَّاسِ مِنْ بَشَرِ . . .
وَقَالَ آخَرُ :
وَقَتْلَى كَمِثْلِ جُذُوعِ النَّخِيلِ . . .
فَيَكُونُ ( مِثْلِهِ ) خَبَرَ لَيْسَ وَاسْمُهَا شَيْءٌ . وَهَذَا وَجْهٌ قَوِيٌّ حَسَنٌ ، تَعْرِفُ الْعَرَبُ مَعْنَاهُ فِي لُغَتِهَا ، وَلَا يَخْفَى عَنْهَا إِذَا خُوطِبَتْ بِهِ ، وَقَدْ جَاءَ عَنِ الْعَرَبِ أَيْضًا زِيَادَةُ الْكَافِ لِلتَّأْكِيدِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ :
وَصَالِيَاتٍ كَكَمَا يُؤَثْفَيْنَ . . . ( 2 )
وَقَوْلِ الْآخَرِ :
فَأَصْبَحَتْ مِثْلَ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ . . .
الْوَجْهُ الثَّانِي : أَنَّ الزَّائِدَ ( مِثْلِ ) أَيْ : لَيْسَ كَهُوَ شَيْءٌ ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَعِيدٌ ، لِأَنَّ مِثْلَ اسْمٌ وَالْقَوْلُ بِزِيَادَةِ الْحَرْفِ لِلتَّأْكِيدِ أَوْلَى مِنَ الْقَوْلِ بِزِيَادَةِ الِاسْمِ .
هامش
( 1 ) سورة الْأَعْرَافِ آية 54 ، وسورة يونس آية 3 .
( 2 ) رجز لحطام المجاشعي ، كما في اللسان ( ثفا ) . والصاليات : الحجارة المحترقة و ( يؤثفين ) : بضم الياء وسكون الهمزة وفتح الثاء المثلثة والفاء وسكون الياء والنون . قال في اللسان : « جاء به على الأصل ضرورة . ولولا ذلك لقال : يثفين . قال الأزهري : أراد يثفين ، من أثفى يثفى ، فلما اضطره بناء الشعر رده إلى الأصل ، فقال يؤثفين ، لأنك إذا قلت : أفعل يفعل - علمت أنه كان في الأصل يؤفعل ، فحذفت الهمزة لثقلها ، كما حذفوا ألف رأيت من : أرى ، وكان في الأصل : أرأى ، فكذلك من : يرى ، وترى ، ونرى . الأصل فيها : يرأى ، وترأى ، ونرأى . فإذا جاز طرح همزتها وهي أصلية - كانت همزة يؤفعل أولى بجواز الطرح ، لأنها ليست من بناء الكلمة في الأصل » . و « أثفى القدر » : جعلها على الأثافي ، وهي التي تنصب وتجعل القدر عليها .