الثَّالِثُ : أَنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ زِيَادَةٌ أَصْلًا ، بَلْ هَذَا مِنْ بَابِ قَوْلِهِمْ : مِثْلُكَ لَا يَفْعَلُ كَذَا ، أَيْ : أَنْتَ لَا تَفْعَلُهُ ، وَأَتَى بِمِثْلٍ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَقَالُوا فِي مَعْنَى الْمُبَالَغَةِ هُنَا : أَيْ : لَيْسَ كَمِثْلِهِ مِثْلٌ لَوْ فُرِضَ الْمِثْلُ ، فَكَيْفَ وَلَا مِثْلَ لَهُ . وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
قَوْلُهُ : ( خَلَقَ الْخَلْقَ بِعِلْمِهِ ) .
ش خَلَقَ : أَيْ : أَوْجَدَ وَأَنْشَأَ وَأَبْدَعَ . وَيَأْتِي خَلَقَ أَيْضًا بِمَعْنَى : قَدَّرَ . وَالْخَلْقُ : مَصْدَرٌ ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ . وَقَوْلُهُ : ( بِعِلْمِهِ ) فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْحَالِ ، أَيْ : خَلَقَهُمْ عَالِمًا بِهِمْ ، قَالَ تَعَالَى : { أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } ( 1 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } { وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ } ( 2 ) . وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْعَزِيزِ الْمَكِّيُّ صَاحِبُ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَجَلِيسُهُ ، فِي كِتَابِ الْحَيْدَةِ ، الَّذِي حَكَى فِيهِ مُنَاظَرَتَهُ بِشْرًا الْمَرِيسِيَّ عِنْدَ الْمَأْمُونِ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ عِلْمِهِ تَعَالَى : فَقَالَ بِشْرٌ : أَقُولُ : لَا يَجْهَلُ ، فَجَعَلَ يُكَرِّرُ السُّؤَالَ عَنْ صِفَةِ الْعِلْمِ ، تَقْرِيرًا لَهُ ، وَبِشْرٌ يَقُولُ : لَا يَجْهَلُ ، وَلَا يَعْتَرِفُ لَهُ أَنَّهُ عَالِمٌ بِعِلْمٍ ، فَقَالَ الْإِمَامُ عَبْدُ الْعَزِيزِ : نَفْيُ الْجَهْلِ لَا يَكُونُ صِفَةَ مَدْحٍ ، فَإِنَّ هَذِهِ الْأُسْطُوَانَةَ لَا تَجْهَلُ ، وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ وَالْمُؤْمِنِينَ بِالْعِلْمِ ، لَا بِنَفْيِ الْجَهْلِ . فَمَنْ أَثْبَتَ الْعِلْمَ فَقَدْ نَفَى الْجَهْلَ ، وَمَنْ نَفَى الْجَهْلَ لَمْ يُثْبِتِ الْعِلْمَ ، وَعَلَى الْخَلْقِ أَنْ يُثْبِتُوا مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَفْسِهِ ، وَيَنْفُوا مَا نَفَاهُ ، وَيُمْسِكُوا عَمَّا أَمْسَكَ عَنْهُ .
هامش
( 1 ) سورة الْمُلْكِ آية 14 .
( 2 ) سورة الْأَنْعَامِ الآيتان 59 - 60 .