الثَّانِي : - وَهُوَ أَقْوَى مِنْهُ - : أَنَّ الْقُرْآنَ لَمْ يَنْفِ انْتِفَاعَ الرَّجُلِ بِسَعْيِ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا نَفَى مِلْكَهُ لِغَيْرِ سَعْيِهِ ، وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ مِنَ الْفَرْقِ مَا لَا يَخْفَى . فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا سَعْيَهُ ، وَأَمَّا سَعْيُ غَيْرِهِ فَهُوَ مِلْكٌ لِسَاعِيهِ ، فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَبْذُلَهُ لِغَيْرِهِ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُبْقِيَهُ لِنَفْسِهِ .
وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } { وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى } ( 1 ) - آيَتَانِ مُحْكَمَتَانِ ، مُقْتَضِيَتَانِ عَدْلَ الرَّبِّ تَعَالَى :
فَالْأُولَى تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُعَاقِبُ أَحَدًا بِجُرْمِ غَيْرِهِ ، وَلَا يُؤَاخِذُهُ بِجَرِيرَةِ غَيْرِهِ ، كَمَا يَفْعَلُهُ مُلُوكُ الدُّنْيَا .
وَالثَّانِيَةُ تَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يُفْلِحُ إِلَّا بِعَمَلِهِ ، لِيَقْطَعَ طَمَعَهُ مِنْ نَجَاتِهِ بِعَمَلِ آبَائِهِ وسلفه ومشائخه ، كَمَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ الطَّمَعِ الْكَاذِبِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَقُلْ : لَا يَنْتَفِعُ إِلَّا بِمَا سَعَى .
وكذلك قوله تعالى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ } ( 2 ) ، وقوله : { وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ( 3 ) . عَلَى أَنَّ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ عُقُوبَةُ الْعَبْدِ بِعَمَلِ غَيْرِهِ ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : { فَالْيَوْمَ لَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَلَا تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } ( 4 ) .
وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُمْ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « إِذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ » فَاسْتِدْلَالٌ سَاقِطٌ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلِ انْقَطَعَ انْتِفَاعُهُ ، وَإِنَّمَا أخبر نانقطاع عَمَلِهِ . وَأَمَّا عَمَلُ غَيْرِهِ فَهُوَ لِعَامِلِهِ ، فَإِنْ وَهَبَهُ لَهُ وَصَلَ إِلَيْهِ ثَوَابُ عَمَلِ الْعَامِلِ ، لَا ثَوَابَ عَمَلِهِ هُوَ ، وَهَذَا كَالدَّيْنِ يُوَفِّيهِ الإنسان عن غيره ، فتبرأ ذمته ، لكن لَيْسَ لَهُ مَا وَفَّى بِهِ الدَّيْنَ .
وَأَمَّا تَفْرِيقُ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الْعِبَادَاتِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ - فقد شرع النبي صلى الله عليه
هامش
( 1 ) النجم 38 - 39
( 2 ) البقرة 286
( 3 ) يس 54
( 4 ) يس 54