تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 454

مساهمون:

ص٤٥٤
يُمْتَنَعُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمُمْكِنِ الْمَقْدُورِ ظُلْمٌ ! بَلْ كُلُّ مَا كَانَ مُمْكِنًا فَهُوَ مِنْهُ - لَوْ فَعَلَهُ - عَدْلٌ ، إِذِ الظُّلْمُ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ مَأْمُورٍ مِنْ غَيْرِهِ مَنْهِيٍّ ، وَاللَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ . فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى : { وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } ( 1 ) ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى : { مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ( 2 ) وَقَوْلَهُ تَعَالَى : { وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ } ( 3 ) ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى : { وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا } ( 4 ) ، وَقَوْلَهُ تَعَالَى : { الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } ( 5 ) - يَدُلُّ ( 6 ) عَلَى نَقِيضِ هَذَا الْقَوْلِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ رَسُولُهُ : « يَا عِبَادِي ، إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي ، وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّمًا ، فَلَا تَظَالَمُوا » . فَهَذَا دَلَّ عَلَى شَيْئَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ حَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا يُوصَفُ بِذَلِكَ . الثَّانِي : أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ حَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، كَمَا أَخْبَرَ أَنَّهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَهَذَا يُبْطِلُ احْتِجَاجَهُمْ بِأَنَّ الظُّلْمَ لَا يَكُونُ إِلَّا مِنْ مَأْمُورٍ مَنْهِيٍّ ، وَاللَّهُ لَيْسَ كَذَلِكَ . فَيُقَالُ لَهُمْ : هُوَ سُبْحَانَهُ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ ، وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ الظُّلْمَ ، وَإِنَّمَا كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ وَحَرَّمَ عَلَى نَفْسِهِ مَا هُوَ قَادِرٌ عَلَيْهِ ، لَا مَا هُوَ ممتنع عليه .
هامش
( 1 ) طه 112 ( 2 ) ق 29 ( 3 ) الزخرف 76 ( 4 ) الكهف 49 ( 5 ) غافر 17 ( 6 ) سياق الكلام : « فإن قوله تعالى . . يدل . . » والآيات بين اسم « إن » وخبرها هي الدلائل التي يستدل بها ، وفي المطبوعة : « وذلك يدل » ، وأنا أرجح أن زيادة « وذلك » إما من الناسخ ، وإما من الطابع ! غفلة عن ربط الجملة