مَنْ جَوَّزَ أَنْ يُسَوِّيَ اللَّهُ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا . وَكَذَا قَوْلُهُ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } ( 1 ) - إِنْكَارٌ عَلَى مَنْ حَسِبَ أَنَّهُ يَفْعَلُ هَذَا ، وَإِخْبَارٌ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ سَيِّءٌ قَبِيحٌ ، وَهُوَ مِمَّا يُنَزَّهُ الرَّبُّ عَنْهُ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، عَنِ النبي صلى الله عليه وسلم : " " لو أن الله عَذَّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَهْلَ أَرْضِهِ ، لَعَذَّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ ، وَلَوْ رَحِمَهُمْ كَانَتْ رَحْمَتُهُ خَيْرًا لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ » ( 2 ) .
وَهَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يَحْتَجُّ بِهِ الْجَبْرِيَّةُ ، وَأَمَّا الْقَدَرِيَّةُ فَلَا يَتَأَتَّى عَلَى أُصُولِهِمُ الْفَاسِدَةِ ! وَلِهَذَا قَابَلُوهُ إِمَّا بِالتَّكْذِيبِ أَوْ بِالتَّأْوِيلِ ! !
وَأَسْعَدُ النَّاسِ بِهِ أَهْلُ السُّنَّةِ ، الَّذِينَ قَابَلُوهُ بِالتَّصْدِيقِ ، وَعَلِمُوا مِنْ عَظَمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَلَالِهِ ، قَدْرَ نِعَمِ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ ، وَعَدَمَ قِيَامِ الْخَلْقِ بِحُقُوقِ نِعَمِهِ عَلَيْهِمْ ، إِمَّا عَجْزًا ، وَإِمَّا جَهْلًا ، وَإِمَّا تَفْرِيطًا وَإِضَاعَةً ، وَإِمَّا تَقْصِيرًا فِي الْمَقْدُورِ مِنَ الشُّكْرِ ، وَلَوْ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ . فَإِنَّ حَقَّهُ عَلَى أَهْلِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى ، وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى ، وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرَ ، وَتَكُونَ قُوَّةُ الْحُبِّ والإنابة ، والتوكل والخشية والمراقبة
هامش
( 1 ) الجاثية 21
( 2 ) هذا جزء من حديث طويل رواه أبو داود : 4699 ، ورواه ابن ماجة : 77 بأطول منه ، وروى بعضه أحمد في المسند 5 : 182 - 183 ، 185 ، 189 ( طبعة الحلبي ) . وخفي علي موضعه في مستدرك الحاكم ، بعد طول البحث . ولكن الشارح أخطأ في ذكر الصحابة الذين رووه ، فلم يروه ابن عباس ولا عبادة بن الصامت وإنما الثابت في هذه الروايات : أن ابن الديلمي سأل أبي بن كعب عن شيء من القدر فأجابه ، ثم سأل ابن مسعود فأجابه بمثله ، ثم سأل حذيفة بن اليمان فقال له مثل ما قالا ، ثم سأل زيد بن ثابت فأجابه كذلك ، ولكنه ذكر له أنه سمع هذا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فالحديث موقوف عن أولئك الثلاثة ، مرفوع عن زيد بن ثابت وحده ، ولكن الموقوف عنهم - هو موقوف لفظا ، مرفوع حكما ؛ لأنه مما لا يعلم بالرأي ، وهو حديث صحيح ، رجاله ثقات