وَأَيْضًا : فَإِنَّ قَوْلَهُ : { فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا } ( 1 ) - قَدْ فَسَّرَهُ السَّلَفُ ، بِأَنَّ الظُّلْمَ : أَنْ تُوضَعَ عَلَيْهِ سَيِّئَاتُ غَيْرِهِ ، وَالْهَضْمُ : أَنْ يُنْقَصَ مِنْ حَسَنَاتِهِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } ( 2 ) .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَخَافُ الْمُمْتَنِعَ الَّذِي لَا يَدْخُلُ تَحْتَ الْقُدْرَةِ حَتَّى يَأْمَنَ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا يَأْمَنُ مِمَّا يُمْكِنُ ، فَلَمَّا آمَنَهُ من الظلم بقوله : { فَلَا يَخَافُ } - عُلِمَ أَنَّهُ مُمْكِنٌ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ . وَكَذَا قَوْلُهُ : { لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ } ( 3 ) إلى قوله : { وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } ( 4 ) - لَمْ يَعْنِ بِهَا نَفْيَ مَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ وَلَا يُمْكَنُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا نَفَى مَا هُوَ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ مُمْكِنٌ ، وَهُوَ أَنْ يُجْزَوْا بِغَيْرِ أَعْمَالِهِمْ . فَعَلَى قَوْلِ هَؤُلَاءِ لَيْسَ اللَّهُ مُنَزَّهًا عَنْ شَيْءٍ مِنَ الْأَفْعَالِ أَصْلًا ، وَلَا مُقَدَّسًا عَنْ أَنْ يَفْعَلَهُ ، بَلْ كُلُّ مُمْكِنٍ فَإِنَّهُ لَا يُنَزَّهُ عَنْ فِعْلِهِ ، بَلْ فِعْلُهُ حَسَنٌ ، وَلَا حَقِيقَةَ لِلْفِعْلِ السُّوءِ ، بَلْ ذَلِكَ مُمْتَنِعٌ ، وَالْمُمْتَنِعُ لَا حَقِيقَةَ لَهُ ! !
وَالْقُرْآنُ يَدُلُّ عَلَى نَقِيضِ هَذَا الْقَوْلِ ، فِي مَوَاضِعَ ، نَزَّهَ اللَّهَ نَفْسَهُ فِيهَا عَنْ فِعْلِ مَا لَا يَصْلُحُ لَهُ وَلَا يَنْبَغِي لَهُ ، فَعُلِمَ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ فِعْلِ السُّوءِ وَالْفِعْلِ الْمَعِيبِ الْمَذْمُومِ ، كَمَا أَنَّهُ مُنَزَّهٌ مُقَدَّسٌ عَنْ وَصْفِ السُّوءِ وَالْوَصْفِ الْمَعِيبِ الْمَذْمُومِ ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } ( 5 ) . فَإِنَّهُ نَزَّهَ نَفْسَهُ عَنْ خَلْقِ الْخَلْقِ عَبَثًا ، وَأَنْكَرَ عَلَى مَنْ حَسِبَ ذَلِكَ ، وَهَذَا فِعْلٌ . وقوله تعالى : { أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ } ( 6 ) . وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } ( 7 ) - إنكار منه على
هامش
( 1 ) طه 112
( 2 ) الإسراء 15
( 3 ) ق 28
( 4 ) ق 29
( 5 ) المؤمنون 115
( 6 ) القلم 35
( 7 ) ص 28