وَإِنَّمَا يَقْبَلُ الْوَزْنَ الْأَجْسَامُ ! ! فَإِنَّ اللَّهَ يَقْلِبُ الْأَعْرَاضَ أَجْسَامًا ، كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَمَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : « يؤتى بالموت كبشا [ أغثر ] ( 1 ) ، فَيُوقَفُ بَيْنَ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ ، فَيُقَالُ : يَا أَهْلَ الْجَنَّةِ ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ ، وَيُقَالُ : يَا أَهْلَ النَّارِ ، فَيَشْرَئِبُّونَ وَيَنْظُرُونَ ، وَيَرَوْنَ أَنْ قَدْ جَاءَ الْفَرَجُ ، فَيُذْبَحُ ، وَيُقَالُ : خُلُودٌ لَا مَوْتَ » . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ . فَثَبَتَ وَزْنُ الْأَعْمَالِ وَالْعَامِلِ وَصَحَائِفِ الْأَعْمَالِ ، وَثَبَتَ أَنَّ الْمِيزَانَ لَهُ كِفَّتَانِ . وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِمَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ .
فَعَلَيْنَا الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ ، كَمَا أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ وَلَا نُقْصَانٍ .
وَيَا خَيْبَةَ مَنْ يَنْفِي وَضْعَ الْمَوَازِينِ الْقِسْطِ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا أَخْبَرَ الشَّارِعُ ، لِخَفَاءِ الْحِكْمَةِ عَلَيْهِ ، وَيَقْدَحُ فِي النُّصُوصِ بِقَوْلِهِ : لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْمِيزَانِ إِلَّا الْبَقَّالُ وَالْفَوَّالُ ! ! وَمَا أَحَرَاهُ بِأَنْ يَكُونَ مِنَ الَّذِينَ لَا يُقِيمُ اللَّهُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا . وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنَ الْحِكْمَةِ فِي وَزْنِ الْأَعْمَالِ إِلَّا ظُهُورُ عدله سبحانه لجميع عباده ، فإنه لا أَحَدَ أَحَبُّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ ، مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَرْسَلَ الرُّسُلَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ . فَكَيْفَ وَوَرَاءَ ذَلِكَ مِنَ الْحِكَمِ مَا لَا اطِّلَاعَ لَنَا عَلَيْهِ . فَتَأَمَّلْ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ ، لَمَّا قَالَ اللَّهُ لَهُمْ : { إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } ( 2 ) . وَقَالَ تَعَالَى : { وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا } ( 3 ) .
وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ ذِكْرِ الْحَوْضِ كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، أَنَّ الْحَوْضَ قَبْلَ الْمِيزَانِ ، وَالصِّرَاطَ بَعْدَ الْمِيزَانِ . فَفِي الصَّحِيحَيْنِ : « أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا عبروا
هامش
( 1 ) في الأصل : ( أغر ) . والتصويب من المسند 2 / 423 . ن
( 2 ) البقرة 30
( 3 ) الإسراء 85