مَنْزِلَتِي ، وَلَسْتُ مِمَّنْ يَدَّعِي ذَلِكَ . أَجَابَ الْآخِرُونَ : بأن الْكُفَّارَ كَانُوا قَدْ قَالُوا : { مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ } ( 1 ) . فَأُمِرَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ : إِنِّي بَشْرٌ مِثْلُكُمْ أَحْتَاجُ إِلَى مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْبَشَرُ مِنْ الِاكْتِسَابِ وَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ ، لَسْتُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُمْ حَاجَةً إِلَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ ، فَلَا يَلْزَمُ حِينَئِذٍ الْأَفْضَلِيَّةُ الْمُطْلَقَةُ .
وَمِنْهُ مَا رَوَى مُسْلِمٌ بِإِسْنَادِهِ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ » . وَمَعْلُومٌ أَنَّ قُوَّةَ الْبَشَرِ لَا تُدَانِي قُوَّةَ الْمَلَكِ وَلَا تُقَارِبُهَا . قَالَ الْآخِرُونَ . الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُؤْمِنُ مِنَ الْبَشَرِ - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - فَلَا تَدْخُلُ الْمَلَائِكَةُ فِي هَذَا الْعُمُومِ .
وَمِنْهُ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، قَالَ : « يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ، وَأَنَا مَعَهُ إِذَا ذَكَرَنِي ، فَإِنْ ذَكَرَنِي فِي نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ فِي نَفْسِي ، وَإِنْ ذَكَرَنِي فِي مَلَأٍ ذَكَرْتُهُ فِي مَلَأٍ خَيْرٍ مِنْهُمْ » . الْحَدِيثَ . وَهَذَا نَصٌّ فِي الْأَفْضَلِيَّةِ . قَالَ الْآخِرُونَ : يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ خَيْرًا مِنْهُ لِلْمَذْكُورِ ، [ لَا الْخَيْرِيَّةُ ] ( 2 ) المطلقة .
ومنه ما رواه إمام الأئمة محمد بن خُزَيْمَةَ ، بِسَنَدِهِ فِي كِتَابِ التَّوْحِيدِ ، عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ إذ جاء جبرائيل ، فَوَكَزَ بَيْنَ كَتِفَيَّ ، فَقُمْتُ إِلَى شَجَرَةٍ مِثْلِ وَكْرَيِ الطَّيْرِ ، فَقَعَدَ فِي إِحْدَاهُمَا ، وَقَعَدْتُ فِي الْأُخْرَى ، فَسَمَتْ وَارْتَفَعَتْ حَتَّى سَدَّتِ الْخَافِقَيْنِ ، وَأَنَا أُقَلِّبُ بَصَرِي ، وَلَوْ شِئْتُ أَنْ أَمَسَّ السَّمَاءَ مسيت ، فنظرت إلى جبرائيل كَأَنَّهُ حِلْسٌ لَاطِئٌ ، فَعَرَفْتُ فَضْلَ عِلْمِهِ بِاللَّهِ علي »
قال الآخرون : في
هامش
( 1 ) سورة الفرقان آية 7 .
( 2 ) في الأصل : ( لا الخيرة ) ، والصواب ما أثبتناه ، كما في سائر النسخ . ن .