الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ هَذَا الْمَقْدُورِ ، وَأَنَّهُ كَانَ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ ، فَإِنَّهُ يقدره ثم يخلقه .
قوله : ( فَوَيْلٌ لِمَنْ صَارَ قَلْبُهُ فِي الْقَدَرِ قَلْبًا سَقِيمًا ( 1 ) ، لَقَدِ الْتَمَسَ بِوَهْمِهِ فِي فَحْصِ الْغَيْبِ سِرًّا كَتِيمًا ، وَعَادَ بِمَا قَالَ فِيهِ أَفَّاكًا أثيما ) .
ش : اعلم أن الْقَلْبُ لَهُ حَيَاةٌ وَمَوْتٌ ، وَمَرَضٌ وَشِفَاءٌ ، وَذَلِكَ أَعْظَمُ مِمَّا لِلْبَدَنِ .
قَالَ تَعَالَى : { أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا } ( 2 ) أَيْ كَانَ مَيِّتًا بِالْكُفْرِ فَأَحْيَيْنَاهُ بِالْإِيمَانِ . فَالْقَلْبُ الصَّحِيحُ الْحَيُّ إِذَا عُرِضَ عَلَيْهِ الْبَاطِلُ وَالْقَبَائِحُ نفر منه بِطَبْعِهِ وَأَبْغَضَهَا وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهَا ، بِخِلَافِ الْقَلْبِ الْمَيِّتِ ، فَإِنَّهُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الْحَسَنِ وَالْقَبِيحِ ، كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " هَلَكَ مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ قَلْبٌ يَعْرِفُ بِهِ الْمَعْرُوفَ وَالْمُنْكَرَ " . وَكَذَلِكَ الْقَلْبُ الْمَرِيضُ بِالشَّهْوَةِ ، فَإِنَّهُ لِضَعْفِهِ يَمِيلُ إِلَى مَا يَعْرِضُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ ، بِحَسَبِ قُوَّةِ الْمَرَضِ وَضَعْفِهِ .
وَمَرَضُ الْقَلْبِ نَوْعَانِ ، كَمَا تَقَدَّمَ : مَرَضُ شهوة ، ومرض شبهة ، وأردؤها مَرَضُ الشُّبْهَةِ ، وَأَرْدَأُ الشُّبَهِ مَا كَانَ مِنْ أَمْرِ الْقَدَرِ . وَقَدْ يَمْرَضُ الْقَلْبُ وَيَشْتَدُّ مَرَضُهُ وَلَا يَشْعُرُ بِهِ صَاحِبُهُ ، لِاشْتِغَالِهِ وَانْصِرَافِهِ عَنْ مَعْرِفَةِ صِحَّتِهِ وَأَسْبَابِهَا ، بَلْ قَدْ يَمُوتُ وَصَاحِبُهُ لَا يَشْعُرُ بِمَوْتِهِ ، وَعَلَامَةُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا تُؤْلِمُهُ جِرَاحَاتُ الْقَبَائِحِ ، وَلَا يُوجِعُهُ جَهْلُهُ بِالْحَقِّ وَعَقَائِدُهُ الْبَاطِلَةُ . فَإِنَّ الْقَلْبَ إِذَا كَانَ فِيهِ حَيَاةٌ تَأَلَّمَ بِوُرُودِ الْقَبِيحِ عَلَيْهِ ، وَتَأَلَّمَ بِجَهْلِهِ بالحق بحسب حياته ، و :
هامش
( 1 ) في المطبوعة : « فَوَيْلٌ لِمَنْ ضَاعَ لَهُ فِي الْقَدَرِ قَلْبًا سقيما » ! ! وهو كلام لا معنى له . ثم جاء عقب ذلك : « وفي نسخة » . ثم ذكر اللفظ الذي هنا . والظاهر عندي أن هذا تصرف من أحد الناسخين ، وجد اللفظ غلطا في النسخة التي ينقل عنها ، ثم وجد نسخة أخرى من المتن على الصواب ، فأساء التصرف ، وأثبته في صلب الكتاب أثناء الكلام ، على أنه نسخة .
( 2 ) سورة الأنعام آية 122 .