الْمُغَيَّبَاتِ ، نُؤْمِنُ بِهِ وَلَا نَشْتَغِلُ بِكَيْفِيَّتِهِ .
وَقَوْلُهُ : وَقَدْ أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعُرِجَ بِشَخْصِهِ فِي الْيَقَظَةِ - اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْإِسْرَاءِ .
فَقِيلَ : كَانَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ وَلَمْ يُفْقَدْ جَسَدُهُ ، نَقْلَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَنَقَلَ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ نَحْوَهُ . لَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْرَفَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ : كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا ، وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ : كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ ، وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ . فَعَائِشَةُ وَمُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا لَمْ يَقُولَا : كَانَ مَنَامًا ، وَإِنَّمَا قَالَا : أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يُفْقَدْ جَسَدُهُ ، وَفَرْقٌ مَا بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ إِذْ مَا يَرَاهُ النَّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصُّورَةِ الْمَحْسُوسَةِ ، فَيَرَى كَأَنَّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، وَذُهِبَ بِهِ إِلَى مَكَّةَ ، وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ وَلَمْ تَذْهَبْ ، وَإِنَّمَا مَلَكُ الرُّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ . فَمَا أَرَادَا ( 1 ) أَنَّ الْإِسْرَاءَ مَنَامًا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الرُّوحَ ذَاتَهَا أُسْرِيَ بِهَا ، فَفَارَقَتِ الْجَسَدَ ثُمَّ عَادَتْ إِلَيْهِ ، وَيَجْعَلَانِ هَذَا مِنْ خَصَائِصِهِ ، فَإِنَّ غَيْرَهُ لَا تَنَالُ ذَاتُ رُوحِهِ الصُّعُودَ الْكَامِلَ إِلَى السَّمَاءِ إِلَّا بَعْدَ الْمَوْتِ .
وَقِيلَ : كَانَ الْإِسْرَاءُ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً يَقَظَةً ، وَمَرَّةً مَنَامًا . وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ كَأَنَّهُمْ أَرَادُوا الْجَمْعَ بَيْنَ حَدِيثِ شَرِيكٍ وَقَوْلِهِ : ( ( ثُمَّ اسْتَيْقَظْتُ ) ) وَبَيْنَ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ . وَكَذَلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ كَانَ مَرَّتَيْنِ ، مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ ، وَمَرَّةً بَعْدَهُ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : بَلْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، مَرَّةً قَبْلَ الْوَحْيِ ، وَمَرَّتَيْنِ بَعْدَهُ . وَكُلَّمَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِمْ لَفْظٌ زَادُوا مَرَّةً ، لِلتَّوْفِيقِ ! وَهَذَا يَفْعَلُهُ ضُعَفَاءُ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَإِلَّا فَالَّذِي عَلَيْهِ أَئِمَّةُ النَّقْلِ : أَنَّ الْإِسْرَاءَ كَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً بِمَكَّةَ ، بَعْدَ الْبِعْثَةِ ، قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِسَنَةٍ ، وَقِيلَ : بِسَنَةٍ وَشَهْرَيْنِ ، ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ .
هامش
( 1 ) قوله : « فما أرادا » - يعني عائشة ومعاوية . وفي المطبوعة « فيما أرادا » ! وهو كلام فاسد ، ولا معنى له .