مَا سَكَتَ عَنْهُ الصَّحَابَةُ - مَعَ أَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِالْحَقَائِقِ وَأَفْصَحُ بِتَرْتِيبِ الْأَلْفَاظِ مِنْ غَيْرِهِمْ - إِلَّا لِمَا يَتَوَلَّدُ مِنْهُ مِنَ الشَّرِّ . [ وَلِذَلِكَ ] ( 1 ) قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : « هَلَكَ الْمُتَنَطِّعُونَ » . أَيِ الْمُتَعَمِّقُونَ فِي الْبَحْثِ وَالِاسْتِقْصَاءِ . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مِنَ الدِّينِ لَكَانَ أَهَمَّ مَا يَأْمُرُ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُعْلَمُ طَرِيقُهُ وَيُثْنِي عَلَى أَرْبَابِهِ . ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ اسْتِدْلَالِهِمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ اسْتِدْلَالَ الْفَرِيقِ الْآخَرِ . إِلَى أَنْ قَالَ : فَإِنْ قُلْتَ : فَمَا الْمُخْتَارُ عِنْدَكَ ؟ فَأَجَابَ بِالتَّفْصِيلِ ، فَقَالَ : فِيهِ مَنْفَعَةٌ ، وَفِيهِ مَضَرَّةٌ : فهو [ باعتبار منفعته ] ( 2 ) فَهُوَ فِي وَقْتِ الْانْتِفَاعِ حَلَالٌ أَوْ مَنْدُوبٌ أَوْ وَاجِبٌ ، كَمَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ . وَهُوَ بِاعْتِبَارِ مَضَرَّتِهِ فِي وَقْتِ الْاسْتِضْرَارِ وَمَحِلِّهِ حَرَامٌ . قَالَ : فَأَمَّا مَضَرَّتُهُ ، فَإِثَارَةُ الشُّبُهَاتِ ، وَتَحْرِيفُ الْعَقَائِدِ وَإِزَالَتُهَا عَنِ الْجَزْمِ وَالتَّصْمِيمِ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَحْصُلُ بِالْابْتِدَاءِ ، وَرُجُوعُهَا بِالدَّلِيلِ مَشْكُوكٌ فِيهِ ، وَيَخْتَلِفُ فِيهِ الْأَشْخَاصُ . فَهَذَا ضَرَرُهُ فِي اعْتِقَادِ الْحَقِّ ، وَلَهُ ضَرَرٌ فِي تَأْكِيدِ اعْتِقَادِ الْبِدْعَةِ ، وَتَثْبِيتِهَا فِي صُدُورِهِمْ ، بِحَيْثُ تَنْبَعِثُ دَوَاعِيهِمْ وَيَشْتَدُّ حِرْصُهُمْ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَيْهِ ، وَلَكِنَّ هَذَا الضَّرَرَ بِوَاسِطَةِ التَّعَصُّبِ الَّذِي يَثُورُ مِنَ الْجَدَلِ .
قَالَ : وَأَمَّا مَنْفَعَتُهُ ، فَقَدْ يُظَنُّ أَنَّ فَائِدَتَهُ كَشْفُ الْحَقَائِقِ وَمَعْرِفَتُهَا عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ [ وَهَيْهَاتَ ] ( 3 ) فَلَيْسَ فِي الْكَلَامِ وَفَاءٌ بِهَذَا الْمَطْلَبِ الشَّرِيفِ ، وَلَعَلَّ التَّخْبِيطَ وَالتَّضْلِيلَ [ فِيهِ ] ( 4 ) أَكْثَرُ مِنَ الْكَشْفِ وَالتَّعْرِيفِ . قَالَ : وَهَذَا إِذَا سَمِعْتَهُ مِنْ مُحَدِّثٍ أَوْ حَشْوِيٍّ رُبَّمَا خَطَرَ بِبَالِكَ أَنَّ النَّاسَ أَعْدَاءُ مَا جَهِلُوا ، فَاسْمَعْ هَذَا مِمَّنْ خَبَرَ الْكَلَامَ ، ثُمَّ [ قَلاهُ ] ( 5 ) بَعْدَ حَقِيقَةِ الْخِبْرَةِ وَبَعْدَ التَّغَلْغُلِ فِيهِ إِلَى مُنْتَهَى دَرَجَةِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى التَّعَمُّقِ فِي عُلُومٍ أُخَرَ [ تناسب ] ( 6 ) نَوْعِ الْكَلَامِ ،
هامش
( 1 ) في الأصل : ( وكذلك ) . والتصحيح من الإحياء 1 / 95 . ن .
( 2 ) سقطت من الأصل ، وأثبتت من الإحياء 1 / 97 . ن .
( 3 ) في الأصل : ( وهيئتها ) ، وما أثبتناه من الإحياء 1 / 97 . ن .
( 4 ) سقطت من الأصل ، وأثبتناها من الإحياء 1 / 97 . ن .
( 5 ) في الأصل : ( قاله ) وما أثبتناه من الإحياء 1 / 97 . ن .
( 6 ) في الأصل : ( سوى ) وما أثبتناه من الإحياء 1 / 97 . ن .