تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح العقيدة الطحاوية ( ط الأوقاف السعودية ) — صفحة 111

مساهمون:

ص١١١
لِلصِّنَاعَاتِ وَالْمَقَالَاتِ ، كَمَنْ يَدَّعِي الْفِلَاحَةَ وَالنِّسَاجَةَ وَالْكِتَابَةَ ، وَعِلْمَ النَّحْوِ وَالطِّبِّ وَالْفِقْهِ وَغَيْرَ ذَلِكَ . وَالنُّبُوَّةُ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عُلُومٍ وَأَعْمَالٍ لَا بُدَّ أَنْ يَتَّصِفَ الرَّسُولُ بِهَا ، وَهِيَ أَشْرَفُ الْعُلُومِ وَأَشْرَفُ الْأَعْمَالِ . فَكَيْفَ يَشْتَبِهُ الصَّادِقُ فِيهَا بِالْكَاذِبِ ؟ وَلَا رَيْبَ أَنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى أَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ وَالِاثْنَيْنِ وَالثَّلَاثَةِ : قَدْ يَقْتَرِنُ بِهِ مِنَ الْقَرَائِنِ مَا يَحْصُلُ مَعَهُ الْعِلْمُ الضَّرُورِيُّ ، كَمَا يَعْرِفُ الرَّجُلُ رِضَى الرَّجُلِ وَحُبَّهُ وَبُغْضَهُ وَفَرَحَهُ وَحُزْنَهُ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا فِي نَفْسِهِ ، بِأُمُورٍ تَظْهَرُ عَلَى وَجْهِهِ ، قَدْ لَا يُمْكِنُ التَّعْبِيرُ عَنْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ } ( 1 ) ثُمَّ قَالَ : { وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ } . وَقَدْ قِيلَ : مَا أَسَرَّ أَحَدٌ سَرِيرَةً إِلَّا أَظْهَرَهَا اللَّهُ عَلَى صَفَحَاتِ وَجْهِهِ وَفَلَتَاتِ لِسَانِهِ . فَإِذَا كَانَ صِدْقُ الْمُخْبِرِ وَكَذِبُهُ يُعْلَمُ بِمَا يَقْتَرِنُ مِنَ الْقَرَائِنِ ، فَكَيْفَ بِدَعْوَى الْمُدَّعِي أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ ، كَيْفَ يَخْفَى صِدْقُ هَذَا مِنْ كَذِبِهِ ؟ وَكَيْفَ لَا يَتَمَيَّزُ الصَّادِقُ فِي ذَلِكَ مِنَ الْكَاذِبِ بِوُجُوهٍ مِنَ الْأَدِلَّةِ ؟ وَلِهَذَا لَمَّا كَانَتْ خَدِيجَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَعْلَمُ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ الصَّادِقُ الْبَارُّ ، قَالَ لَهَا لَمَّا جَاءَهُ الْوَحْيُ : « إِنِّي قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي ( 2 ) ، فَقَالَتْ : كَلَّا - وَاللَّهِ لَا يُخْزِيكَ اللَّهُ ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتُقِرِّي الضَّيْفَ ، وَتُكْسِبُ الْمَعْدُومَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ » . فَهُوَ لَمْ يَخَفْ مِنْ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ ، فَهُوَ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكْذِبْ ، وَإِنَّمَا خَافَ أَنْ يَكُونَ قَدْ عَرَضَ لَهُ عَارِضُ سُوءٍ ، وَهُوَ الْمَقَامُ الثَّانِي ، فَذَكَرَتْ خَدِيجَةُ مَا يَنْفِي هَذَا ، وَهُوَ مَا كَانَ مَجْبُولًا عَلَيْهِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ
هامش
( 1 ) سُورَةُ مُحَمَّدٍ آيَة 30 . ( 2 ) في المطبوعة « على عقلي » ! وهو خطأ فاحش ، لعله من الناسخ ، بل هو كلام غير معقول ، وحاشا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول هذا . بل إن بعض العلماء فسر خشيته على نفسه ، في هذا الحديث ، بأنه خشي الجنون ! واستنكره الحافظ في الفتح 1 : 23 ، قال وأبطله أبو بكر بن العربي ، وحق له أن يبطل « .