قُلْتُ : الْأَصَحُّ : هُوَ الْأَوَّلُ ، فَإِنْ شُكَّ فِي اتِّفَاقِ الْمَطَالِعِ ، لَمْ يَجِبِ الصَّوْمُ عَلَى الَّذِينَ لَمْ يَرَوْا ، لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَوْ شَرَعَ فِي الصَّوْمِ فِي بَلَدٍ ، ثُمَّ سَافَرَ إِلَى بَلَدٍ بَعِيدٍ لَمْ يُرَ فِيهِ الْهِلَالُ فِي يَوْمِهِ الْأَوَّلِ ، وَاسْتَكْمَلَ ثَلَاثِينَ ، فَإِنْ قُلْنَا : لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمُ نَفْسِهِ ، لَزِمَهُ أَنْ يَصُومَ مَعَهُمْ عَلَى الْأَصَحِّ ، لِأَنَّهُ صَارَ مِنْ جُمْلَتِهِمْ ، وَالثَّانِي : يُفْطِرُ ، لِأَنَّهُ الْتَزَمَ حُكْمَ الْأَوَّلِ .
وَإِنْ قُلْنَا : يَعُمُّ الْحُكْمُ جَمِيعَ الْبِلَادِ ، لَزِمَ أَهْلَ الْبَلَدِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ مُوَافَقَتُهُ إِنْ ثَبَتَ عِنْدَهُمْ حَالُ الْبَلَدِ الْأَوَّلِ بِقَوْلِهِ ، أَوْ بِطَرِيقٍ آخَرَ ، وَعَلَيْهِمْ قَضَاءُ الْيَوْمِ الْأَوَّلِ .
وَلَوْ سَافَرَ مِنَ الْبَلَدِ الَّذِي لَمْ يُرَ فِيهِ الْهِلَالُ إِلَى بَلَدٍ رُئِيَ فِيهِ ، فَعَيَّدُوا الْيَوْمَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ مِنْ صَوْمِهِ ، فَإِنْ عَمَّمْنَا الْحُكْمَ ، أَوْ قُلْنَا : لَهُ حُكْمُ الْبَلَدِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ ، عَيَّدَ مَعَهُمْ ، وَقَضَى يَوْمًا .
وَإِنْ لَمْ نَعُمَّ الْحُكْمَ وَقُلْنَا : لَهُ حُكْمُ الْمُنْتَقَلِ مِنْهُ ، فَلَيْسَ لَهُ الْفِطْرُ . وَلَوْ رَأَى الْهِلَالَ فِي بَلَدٍ فَأَصْبَحَ مُعَيِّدًا ، فَسَارَتْ بِهِ السَّفِينَةُ إِلَى بَلَدٍ فِي حَدِّ الْبُعْدِ ، فَصَادَفَ أَهْلَهَا صَائِمِينَ ، فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ : يَلْزَمُ إِمْسَاكُ بَقِيَّةِ النَّهَارِ إِذَا قُلْنَا : لِكُلِّ بَلَدِ حُكْمُهُ .
وَاسْتَبْعَدَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ إِيجَابَهُ . وَتُتَصَوَّرُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِي صُورَتَيْنِ :
إِحْدَاهُمَا : أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْيَوْمُ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ صَوْمِ أَهْلِ الْبَلَدَيْنِ ، لَكِنَّ الْمُنْتَقَلَ إِلَيْهِمْ لَمْ يَرَوْهُ .
وَالثَّانِيَةُ : أَنْ يَكُونَ التَّاسِعَ وَالْعِشْرِينَ لِلْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِمْ لِتَأَخُّرِ صَوْمِهِمْ بِيَوْمٍ . وَإِمْسَاكُ بَقِيَّةِ الْيَوْمِ فِي الصُّورَتَيْنِ ، إِنْ لَمْ نُعَمِّمِ الْحُكْمَ كَمَا ذَكَرْنَا .
وَجَوَابُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ ، كَمَا أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لِكُلِّ بَلَدٍ حُكْمَهُ ، فَهُوَ مَبْنِيٌّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ لِلْمُنْتَقِلِ حُكْمَ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ . وَإِنْ عِمَّمْنَا الْحُكْمَ ، فَأَهْلُ الْبَلَدِ الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ إِذَا عَرَفُوا فِي أَثْنَاءِ الْيَوْمِ أَنَّهُ الْعِيدُ ، فَهُوَ شَبِيهٌ بِمَا إِذَا شَهِدَ الشُّهُودُ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ .
وَقَدْ سَبَقَ بَيَانُهُ فِي صَلَاةِ الْعِيدِ . وَإِنِ اتَّفَقَ هَذَا السَّفَرُ لِعَدْلَيْنِ وَقَدْ رَأَيَا الْهِلَالَ بِأَنْفُسِهِمَا ، وَشَهِدَا فِي الْمُنْتَقَلِ إِلَيْهِ ، فَهَذَا عَيْنُ الشَّهَادَةِ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي الْيَوْمِ الثَّلَاثِينَ فِي الصُّورَةِ الْأُولَى .
وَأَمَّا الثَّانِيَةُ ، فَإِنْ عَمَّمْنَا الْحُكْمَ جَمِيعَ
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 349
مساهمون: النووي
ص٣٤٩