فَصْلٌ
إِذَا اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَقْتُ صَلَاةٍ لِغَيْمٍ ، أَوْ حَبْسٍ فِي مُظْلِمٍ ، أَوْ غَيْرِهِمَا ، اجْتَهَدَ فِيهِ ، وَاسْتَدَلَّ بِالدَّرْسِ وَالْأَعْمَالِ وَالْأَوْرَادِ وَشِبْهِهَا . وَمِنَ الْأَمَارَاتِ صِيَاحُ الدِّيكِ الْمُجَرَّبِ إِصَابَةُ صِيَاحِهِ الْوَقْتَ .
وَكَذَا أَذَانُ الْمُؤَذِّنِينَ فِي يَوْمِ الْغَيْمِ إِذَا كَثُرُوا ، وَغَلَبَ عَلَى الظَّنِّ - لِكَثْرَتِهِمْ - أَنَّهُمْ لَا يُخْطِئُونَ . وَالْأَعْمَى يَجْتَهِدُ فِي الْوَقْتِ كَالْبَصِيرِ . وَإِنَّمَا يَجْتَهِدَانِ ، إِذَا لَمْ يُخْبِرْهُمَا ثِقَةٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ . فَلَوْ قَالَ : رَأَيْتُ الْفَجْرَ طَالِعًا ، أَوِ الشَّفَقَ غَارِبًا ، لَمْ يَجُزْ الِاجْتِهَادُ ، وَوَجَبَ قَبُولُ قَوْلِهِ .
فَإِنْ أَخْبَرَ عَنِ اجْتِهَادٍ ، لَمْ يَجُزْ لِلْبَصِيرِ الْقَادِرِ عَلَى الِاجْتِهَادِ تَقْلِيدُهُ ، وَيَجُوزُ لِلْأَعْمَى عَلَى الْأَصَحِّ . وَالْمُؤَذِّنُ الثِّقَةُ الْعَالِمُ بِالْمَوَاقِيتِ فِي يَوْمِ الصَّحْوِ كَالْمُخْبِرِ عَنْ مُشَاهَدَةٍ وَفِي الْغَيْمِ كَالْمُجْتَهِدِ .
وَحَكَى فِي ( التَّهْذِيبِ ) وَجْهَيْنِ فِي تَقْلِيدِ الْمُؤَذِّنِ ، مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ الْبَصِيرِ وَالْأَعْمَى . وَقَالَ الْأَصَحُّ الْجَوَازُ . وَذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ سُرَيْجٍ . وَالتَّفْصِيلُ الْمُتَقَدِّمُ أَقْرَبُ وَاخْتَارَهُ الرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُ .
قُلْتُ : الْأَصَحُّ ، مَا صَحَّحَهُ صَاحِبُ ( التَّهْذِيبِ ) . وَقَدْ نَقَلَهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ . وَصَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَصَاحِبُ ( الْعُدَّةِ ) وَغَيْرُهُمْ . وَاللَّهُ أَعْلَمُ .
وَحَيْثُ لَزِمَ الِاجْتِهَادُ فَصَلَّى بِلَا اجْتِهَادٍ وَجَبَتِ الْإِعَادَةُ وَإِنْ صَادَفَ الْوَقْتَ . وَإِذَا لَمْ تَكُنْ دَلَالَةٌ ، أَوْ كَانَتْ فَلَمْ يَغْلِبْ عَلَى ظَنِّهِ شَيْءٌ ، صَبَرَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى قَلْبِهِ دُخُولُ الْوَقْتِ . وَالِاحْتِيَاطُ : أَنْ يُؤَخِّرَ إِلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَوْ أَخَّرَ خَرَجَ الْوَقْتُ ، وَإِذَا قَدَرَ عَلَى الصَّبْرِ إِلَى اسْتِيقَانِ دُخُولِ الْوَقْتِ ، جَازَ الِاجْتِهَادُ عَلَى الصَّحِيحِ كَالْأَوَانِي .
روضة الطالبين وعمدة المفتين ( المكتب الإسلامي ) — صفحة 185
مساهمون: النووي
ص١٨٥