تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
ونحن نعلم أنّ العاشق بالغاً ما بلغَ لا يمتد نفسُه امتِداد أقصر أجزاءِ الليل ، وأن السعة الواحدة من ساعاته لا تنقضي إلا عن أنفاسٍ لا تُحصى ؛ كائنةً ما كانت في امتدادها وطوله ، وإنما مرادُ الشاعر أن الليل زائدٌ في الطول على مقادير الليالي كزيادة نفَسِ العاشق على الأنفاس ؛ فهذا وجهٌ لا أرى به بأساً في تصحيح المعنى ، وإن كنتُ لا أرى أن يؤخَذ الشاعر بهذه الدقائق الفلسفية ما لم يأخذْ نفسَه بها ، ويتكلّف التعملَ لها ، فيؤخذ حينئذ بحكمه ، ويُطالب بما جنى على نفسه . وقوله : كأنّه من عِلمِه بالمَقتَلِ . . . علّم بُقْراط فِصادَ الأكْحَلِ قالوا : لم يكن بقراط فصّاداً ولا كان الفصْد غالباً عليه في زمانه ، وإنما كثُر بعده . قال المحتجّ : أما هذه الدعوى فلا يُعلَم كيف وجهها ؟ وهل أنتم صادقون فيها ؟ وقد كان الفصْد قديماً ، ولكنهم كانوا يحتذبون العِرْق بآلة شبيهة بالقِنّارة ثم يبضَعونه ، فهذا أحوجُ إلى الحِذْقِ واللُطف ، ولسنا نأبى أن يكون بُقراط لا يفصد ، وليس مقصِد الشاعر إلا علمه بالفصْد ، وقد عُلِم موقعُ المعرفة بالتشريح من هذا العلم ، وكيف يفتقر إلى الوقوف على تشعّب العروق ، واتّصال ما اتصل منها ، وانفصال ما انفصل ، وليس بمثل بُقْراط - على عِلمِه ومعرفته بالطبّ ، واجتماع الألسُن على تقديمه جهْل ذلك ، وقد يعلمُ الشيء منْ لا يعالجه بيده ، ولا يتولاّه بنفسه ، وليس ترْكُه مباشرة ذلك بدالّ على جهلِه به . ولو كان بُقراط أجهلَ الناس بذلك لم يلْحق أبا الطيب من هذا القول نقيصةٌ على طريقته ؛ لأنهم لا يؤخَذون بمعرفة الأطباء ومواقعهم من الصناعة ، ومهارتهم في العلم والعمل ، ولما رأى الأطباء