زعم بعض المحتجين عنه أنّ العرب تحمل الكلام على المعنى فتصرفُ الضمير عن وجهه ، وتترك ردّه مع الحاجة إليه ؛ لأن المراد بالضمير الثاني هو الأول في الحقيقة ، وإن اختلفت العلامتان . قالوا : وقد جاء ذلك عن العرب في الأسماء الناقصة التي تتم صلاتُها وهي أحوجُ إلى الضمير الراجع إليها ؛ لأنها كالحرْف المفرد لا يتمّ إلا بالحروف التي تنْضافُ إليه ؛ فصلَتُه بما فيه من الضمير كبقية حروف الاسم ، فهو أمسّ حاجةً ، وأشدّ افتقاراً إلى ردّ الضمير إليه ، وتكميل ذلك النّقص به ، فمما جاء في ذلك قول المهلهل :
وأنا الذي قتلتُ بكراً بالقَنا . . . وتركتُ تغلِبَ غير ذاتِ سِنام
وإنما وجه الكلام : وأنا الذي قتَل ؛ ويكون في قتل ضميرٌ تقديرُه وأنا الذي قتل هو .
وقول أبي النجم :
يأيّها الذي قد سُؤتَني . . . وفضحتني وطردتَ أمّ عِياليا
ولو ردّ الضميرَ على حقيقة الكلام لقال : الذي قد ساءني .
وكل هذا حُمل على المعنى ، قالوا : وقد جاء في القرآن العزيز : ( إن الذين آمَنوا وعمِلوا الصالحات إنّا لا نُضيعُ أجْرَ من أحسَن عمَلاً ) . وليس في الخبر ما يرجعُ إلى الأول ، ولو ردّ الضميرُ إلى الأول لقيل : إنّا لا نضيعُ أجرَهم ؛ لكنه لما كان من أحسن عملاً هم المُضمرون بهم ، الذي في أجرهم جاز أن ينوبَ أحدُهما عن الآخر ، لأنّ من أحسن عملاً هو من آمن .
ومثلُ هذا قوله تعالى : ( والذين يمسِّكون بالكِتاب وأقاموا الصلاة إنّا لا نضيعُ أجرَ المُصلحين ) لما كان معنى المصلحين معنى الذين يمسكون بالكتاب جاز أن يُقام مقامَه فيعود الذكر إليه في المعنى ، فكأنّه قال : إنا لا نُضيع أجرَهم . وعلى هذا أجاز النحويون : المؤمنُ أكرمُ من اتّقى الله ، لأن معنى من اتّقى الله معنى المؤمن ؛ قالوا : فكذلك هذان الضميران في اتفاق المعنيين .
الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 447
مساهمون: محمد أبو الفضل إبراهيم
ص٤٤٧