تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوساطة بين المتنبي وخصومه ونقد شعره — صفحة 160

مساهمون:

ص١٦٠
جنبها ما يصلُح لمُصاحبتها . ولعل أكثرَها ، أو معظم ما أثبت منها ، وكثيراً مما ذُكر في درج ما تقدّمها من اللُّمَع المختارة ، مختارة المعاني مفترعة المذاهب . وليس لك أن تُلزمني تمييز ذلك وإفرادَه والتنبيهَ عليه بأعيانه كما فعله كثيرٌ ممن استهدف للألسن ، ولم يحترز من جناية التهجّم ؛ فقال : معنى فرد ، وبيت بديع ، ولم يُسْبق فلان إلى كذا ، وانفرد فلان بكذا ؛ لأني لم أدّع الإحاطة بشعر الأوائل والأواخر ؛ بل لم أزعم أني نصَفتُه سماعاً وقراءة ، فدع الحِفظ والرواية . ولعل المعنى الذي أسمُه بهذه السّمة ، والبيت الذي أضيفه إلى هذه الجملة في صدر ديوان لم أتصفّحه ؛ أو تصفّحتُه ولم أعثر بذلك السطر منه ، أو عساني أن أكون رويتُه ثم نسيتُه ، أو حفظته لكني أغفلتُ وجهَ الأخذِ منه ، وطريقة الاحتذاء به . وإنما أجسر في الوقت بعد الوقت فأُقدِم على هذا الحكم انقياداً للظن ، واستنامة إلى ما يغلبُ على النفس ؛ فأما اليقين الثقة ، والعلم الإحاطة فمعاذ الله أن أدعيه ! ولو ادعيتُه لوجب ألا تقبلَه ، مع علمك بكثرة الشعراء واختلاف الحظوظ ، وخمول أكثر ما قيل : وضياع جلّ ما نُقِل . وأظنّك قد سمعتَ أو انتهى إليك أن البحتري أسقط خمسمائة شاعر في عصره ، فما يؤمنني من وقوع بعض أشعارهم إلى غيري ؟ وما يدريني ما فيها ؟ وهل هذا المستغرب المستحسن منقول عنها ، ومقتبَس منها ؟ وهؤلاء المحدَثون الذين شاركونا في الدار والبلد ، وجاورونا في العصر والمولد . فكيف بمَن بعُد عهده ، وقدُم زمانه ، وتناسخت الأمم بيننا وبينه ! زعم بعض آل الزبير أنه زار عُروة بن الزبير ذات يوم ، فسأله عما يُعنى بطلبه من العلوم ، فقال : قلت الشعر . فقال : لأي قبائل العرب أنت أروى ! فقلت : لبني سُلَيْم ، فأنشدني لعدة أكثرها من بني سُليم ، ولم أعرف واحداً منهم .