قوله : ( وهو ما يذهب بتبنة ) أي الماء الجاري ما يذهب بتبنة ، وقد توهم بعض
المشتغلين أن هذا الحد فاسد لأنه يرد عليه الجمل والسفينة فإنهما يذهبان بتين كثير ، ومنشأ
التوهم أن ما موصولة في كلامه وقد وقع مثلها في عبارة ابن الحاجب فإنه قال : الكلام ما
يتضمن كلمتين بالاسناد . فقيل يرد عليه الورقة والحجر المكتوب عليه كلمتان فأكثر لأن ما
موصولة بمعنى الذي لكن الجواب عنهما أن ما ليست موصولة وإنما هي نكرة
موصوفة ، فالمعنى الجاري ماء بالمد يذهب بتبنة والكلام لفظ يتضمن كلمتين . وقد اختلف في
حد الجاري على أقوال منها ما ذكره المصنف وأصحها أنه ما يعده الناس جاريا كما ذكره في
البدائع والتبيين وكثير من الكتب . قوله : ( فيتوضأ منه ) أي من الماء الجاري . قال الزيلعي :
ويجوز أن يعود إلى الماء الراكد الذي بلغ عشرا في عشر لأنه يجوز الوضوء به في موضع
الوقوع ما لم يتغير في رواية وهو المختار عندهم . قوله : ( إن لم ير أثره ) أي إن لم يعلم أثر
النجس فيه . ورأي تستعمل بمعنى علم قال الشاعر :
رأيت الله أكبر كل شئ
وإنما قلنا هذا لأن الطعم والرائحة لا تعلق للبصر بهما وإنما الطعم للذوق والرائحة للشم .
قوله : ( وهو طعم أو لون أو ريح ) أي الأثر ما ذكر . وحاصله أن الماء الجاري وما هو في
حكمه إذا وقعت فيه نجاسة . إن ظهر أثرها لا يجوز الوضوء به وإلا جاز لأن وجود الأثر دليل
وجود النجاسة ، فكل ما تيقنا فيه نجاسة أو غلب على ظننا ذلك لا يجوز الوضوء به ، جاريا كان
أو غيره ، لأن الماء الجاري لا يتنجس بوقوع النجاسة فيه كما قد يتوهم . وظاهر ما في المتون أن
الجاري إذا وقعت فيه نجاسة يجوز الوضوء به إن لم ير أثرها ، سواء كان النجس جيفة مرئية أو
البحر الرائق — صفحة 152
مساهمون: ابن نجيم المصري
ص١٥٢