تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 844

مساهمون:

ص٨٤٤
الْمُلَازِمِ لِلصَّوْتِ وَالْحَرْفِ ، وَهُوَ فِي حَقِّ الْبَارِي مُحَالٌ ، وَلَمْ يَقِفْ مَعَ إِمْكَانِ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُ تَعَالَى خَارِجًا عَنْ مُشَابَهَةِ الْمُعْتَادِ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ لَائِقٍ بِالرَّبِّ ، إِذْ لَا يَنْحَصِرُ الْكَلَامُ فِيهِ عَقْلًا ، وَلَا يَجْزِمُ الْعَقْلُ بِأَنَّ الْكَلَامَ إِذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ مُحَالٌ ، فَكَانَ مِنْ حَقِّهِ الْوُقُوفُ مَعَ ظَاهِرِ الْأَخْبَارِ مُجَرَّدًا . وَالتَّاسِعُ : إِثْبَاتُ الصِّفَاتِ كَالْكَلَامِ ، إِنَّمَا نَفَاهُ مَنْ نَفَاهُ لِلُزُومِ التَّرْكِيبِ عِنْدَهُ فِي ذَاتِ الْبَارِي تَعَالَى - عَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِهَا - فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ وَاحِدًا مَعَ إِثْبَاتِهَا . وَهَذَا قَطْعٌ مِنَ الْعَقْلِ الَّذِي ثَبَتَ قُصُورُ إِدْرَاكِهِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ ، فَكَيْفَ لَا يَثْبُتُ قُصُورُهُ فِي إِدْرَاكِهِ إِذَا دُعِيَ مِنَ التَّرْكِيبِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى صِفَاتِ الْبَارِي ؟ فَكَانَ مِنَ الصَّوَابِ فِي حَقِّهِ أَنْ يُثْبِتَ مِنَ الصِّفَاتِ مَا أَثْبَتَهُ اللَّهُ لِنَفْسِهِ ، وَيُقِرُّ مَعَ ذَلِكَ بِالْوَحْدَانِيَّةِ لَهُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ . وَالْعَاشِرُ : تَحْكِيمُ الْعَقْلِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى ، بِحَيْثُ يَقُولُ : يَجِبُ عَلَيْهِ بَعْثَةُ الرُّسُلِ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاحُ وَالْأَصْلَحُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ اللُّطْفُ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ كَذَا - إِلَى آخِرِ مَا يُنْطَقُ بِهِ فِي تِلْكَ الْأَشْيَاءِ - وَهَذَا إِنَّمَا نَشَأَ مِنْ ذَلِكَ الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَهُوَ الِاعْتِيَادُ فِي الْإِيجَابِ عَلَى الْعِبَادِ . وَمَنْ أَجَلَّ الْبَارِي وَعَظَّمَهُ لَمْ يَجْتَرِئْ عَلَى إِطْلَاقِ هَذِهِ الْعِبَارَةِ ، وَلَا أَلَمَّ بِمَعْنَاهَا فِي حَقِّهِ ، لِأَنَّ ذَلِكَ الْمُعْتَادَ إِنَّمَا حَسَنٌ فِي الْمَخْلُوقِ مِنْ حَيْثُ هُوَ عَبْدٌ مَحْصُورٌ مَمْنُوعٌ ، وَاللَّهُ تَعَالَى مَا يَمْنَعُهُ شَيْءٌ ، وَلَا يُعَارِضُ أَحْكَامَهُ حُكْمٌ ، فَالْوَاجِبُ الْوُقُوفُ مَعَ قَوْلِهِ : { قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ } [ الأنعام : 149 ]
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 844 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي