وَعَلَى هَذَا السَّبِيلِ يَجْرِي حُكْمُ الصِّفَاتِ الَّتِي وَصَفَ الْبَارِي بِهَا نَفْسَهُ ، لِأَنَّ مَنْ نَفَاهَا نَفَى شِبْهَ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ، وَهَذَا مَنْفِيٌّ عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، فَبَقِيَ الْخِلَافُ فِي نَفْيِ عَيْنِ الصِّفَةِ أَوْ إِثْبَاتِهَا ، فَالْمُثْبِتُ أَثْبَتَهَا عَلَى شَرْطِ نَفْيِ التَّشْبِيهِ ، وَالْمُنْكِرُ لِأَنْ يَكُونَ ثَمَّ صِفَةٌ غَيْرُ شَبِيهَةٍ بِصِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ مُنْكِرٌ لِأَنْ يَثْبُتَ أَمْرٌ إِلَّا عَلَى وَفْقِ الْمُعْتَادِ .
فَإِنْ قَالُوا : هَذَا لَازِمٌ فِيمَا تُنْكِرُهُ الْعُقُولُ بَدِيهَةً ، كَقَوْلِهِ :
« رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتَكْرَهُوا عَلَيْهِ » ، فَإِنَّ الْجَمِيعَ أَنْكَرُوا ظَاهِرَهُ ، إِذِ الْعَقْلُ وَالْحِسُّ يَشْهَدَانِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَرْفُوعَةٍ ، وَأَنْتَ تَقُولُ : اعْتَقَدُوا أَنَّهَا مَرْفُوعَةٌ ، وَتَأَوَّلُوا الْكَلَامَ .
قِيلَ : لَمْ نَعْنِ مَا هُوَ مُنْكَرٌ بِبَدَاهَةِ الْعُقُولِ ، وَإِنَّمَا عَنَيْنَا مَا لِلنَّظَرِ فِيهِ شَكٌّ وَارْتِيَابٌ ، كَمَا نَقُولُ : إِنَّ الصِّرَاطَ ثَابِتٌ ، وَالْجَوَازَ عَلَيْهِ قَدْ أَخْبَرَ الشَّارِعُ بِهِ ، فَنَحْنُ نُصَدِّقُ بِهِ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ كَحَدِّ السَّيْفِ وَشِبْهِهِ لَا يُمْكِنُ اسْتِقْرَارُ الْإِنْسَانِ فَوْقَهُ عَادَةً فَكَيْفَ يَمْشِي عَلَيْهِ ؟ فَالْعَادَةُ قَدْ تُخْرَقُ حَتَّى يُمْكِنَ الْمَشْيُ وَالِاسْتِقْرَارُ ، وَالَّذِينَ يُنْكِرُونَهُ يَقِفُونَ مَعَ الْعَوَائِدِ وَيُنْكِرُونَ أَصْلَ الصِّرَاطِ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إِلَى إِمْكَانِ انْخِرَاقِ الْعَوَائِدِ ، فَإِنْ فَرَّقُوا صَارَ ذَلِكَ تَحَكُّمًا . لِأَنَّهُ تَرْجِيحٌ فِي أَحَدِ الْمَثَلَيْنِ دُونَ الْآخَرِ مِنْ غَيْرِ مُرَجِّحٍ عَقْلِيٍّ ، وَقَدْ صَادَفَهُمُ النَّقْلُ ، فَالْحَقُّ الْإِقْرَارُ دُونَ الْإِنْكَارِ .
وَلْنَشْرَحْ هَذَا الْمَطْلَبَ بِأَمْثِلَةٍ عَشْرَةٍ : ( أَحَدُهَا ) مَسْأَلَةُ الصِّرَاطِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 841
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٤١