تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 839

مساهمون:

ص٨٣٩
مِنْ عُلَمَائِهِمْ وَكَانَ يَنْزِلُ مَرَّةً فِي السَّنَةِ فَتَجْتَمِعُ إِلَيْهِ الرُّهْبَانُ لِيُعَلِّمَهُمْ مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ دِينِهِمْ فَأَتَاهُ خَالِدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ فِيمَنْ جَاءَهُ . فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ : أَمِنْ عُلَمَائِهِمْ أَنْتَ ؟ قَالَ خَالِدٌ : إِنَّ فِيهِمْ لَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي . قَالَ الرَّاهِبُ : أَلَيْسَ تَقُولُونَ : إِنَّكُمْ تَأْكُلُونَ فِي الْجَنَّةِ وَتَشْرَبُونَ ثُمَّ لَا يَخْرُجُ مِنْكُمْ أَذًى ؟ قَالَ خَالِدٌ : بَلَى ! قَالَ الرَّاهِبُ : أَفَلِهَذَا مَثَلٌ تَعْرِفُونَهُ فِي الدُّنْيَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ! الصَّبِيُّ يَأْكُلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ مِنْ طَعَامِهَا . وَيَشْرَبُ مِنْ شَرَابِهَا ثُمَّ لَا يَخْرُجُ مِنْهُ أَذًى . قَالَ الرَّاهِبُ لِخَالِدٍ : أَلَيْسَ تَقُولُ إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ؟ قَالَ خَالِدٌ : إِنَّ فِيهِمْ لَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي : قَالَ : أَفَلَيْسَ تَقُولُونَ : إِنَّ فِي الْجَنَّةِ فَوَاكِهَ تَأْكُلُونَ مِنْهَا لَا يَنْقُصُ مِنْهَا شَيْءٌ ؟ قَالَ خَالِدٌ : بَلَى ! أَفَلِهَذَا مَثَلٌ فِي الدُّنْيَا تَعْرِفُونَهُ ؟ قَالَ خَالِدٌ : نَعَمْ ! الْكِتَابُ يَكْتُبُ مِنْهُ كُلَّ شَيْءٍ أَحَدٌ ثُمَّ لَا يَنْقُصُ مِنْهُ شَيْءٌ ، قَالَ الرَّاهِبُ : أَلَيْسَ تَقُولُ : إِنَّكَ لَسْتَ مِنْ عُلَمَائِهِمْ ؟ قَالَ خَالِدٌ : إِنَّ فِيهِمْ لَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنِّي . قَالَ خَالِدٌ : فَتَمَعَّرَ وَجْهُهُ ثُمَّ قَالَ : إِنَّ هَذَا مِنْ أُمَّةٍ بُسِطَ لَهَا فِي الْحَسَنَاتِ مَا لَمْ يُبْسَطْ لِأَحَدٍ . انْتَهَى الْمَقْصُودُ مِنَ الْخَبَرِ . وَهُوَ يُنَبِّهُ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ الَّذِي يَظْهَرُ مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ أَنَّهُ غَيْرُ مُعْتَادٍ لَهُ أَصْلٌ فِي الْمُعْتَادِ ، وَهُوَ تَنَزُّلٌ لِلْمُنْكِرِ غَيْرُ لَازِمٍ ، وَلَكِنَّهُ مُقَرِّبٌ لِفَهْمِ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَقَائِقِ الْوَاضِحَاتِ . فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ قَضَاءُ الْعَقْلِ فِي عَادِيٍّ بِانْخِرَاقِهِ ، مَعَ أَنَّ كَوْنَ الْعَادِيِّ عَادِيًّا مُطَّرِدًا غَيْرَ صَحِيحٍ أَيْضًا ، فَكُلُّ عَادِيٍّ يَفْرِضُ الْعَقْلُ فِيهِ خَرْقَ الْعَادَةِ فَلَيْسَ لِلْعَقْلِ فِيهِ إِنْكَارٌ ، إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ الَّتِي اخْتُصَّ الْبَارِي بِاخْتِرَاعِهَا ، وَالْعَقْلُ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ خَلْقٍ وَخَلْقٍ ، فَلَا يُمْكِنُ إِلَّا الْحُكْمُ بِذَلِكَ الْإِمْكَانِ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ ، وَلِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَهْلِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 839 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي