تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 836

مساهمون:

ص٨٣٦
قَبْلَ ذَلِكَ ، كُلُّ أَحَدٍ يُشَاهِدُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ عِيَانًا ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَعْلُومٍ دُونَ مَعْلُومٍ ، وَلَا بِذَاتٍ دُونَ ذَاتٍ وَلَا بِصِفَةٍ دُونَ صِفَةٍ ، وَلَا فِعْلٍ دُونَ حُكْمٍ فَكَيْفَ يَصِحُّ دَعْوَى الِاسْتِقْلَالِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ أَنْوَاعِ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ عِلْمُ الْعَبْدِ لَا سَبِيلَ لَهُ إِلَى دَعْوَى الِاسْتِقْلَالِ أَلْبَتَّةَ حَتَّى يَسْتَظْهِرَ فِي مَسْأَلَتِهِ بِالشَّرْعِ - إِنَّ كَانَتْ شَرْعِيَّةً - لِأَنَّ أَوْصَافَ الشَّارِعِ لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا أَلْبَتَّةَ ، وَلَا قُصُورَ وَلَا نَقْصَ ، بَلْ مَبَادِئُهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى وَفْقِ الْغَايَاتِ ، وَهِيَ مِنِ الْحِكْمَةِ . وَوَجْهٌ ثَالِثٌ : وَهُوَ أَنَّ مَا نَدَّعِي عِلْمَهُ فِي الْحَيَاةِ يَنْقَسِمُ - كَمَا تَقَدَّمَ - إِلَى الْبَدِيهِيِّ الضَّرُورِيِّ وَغَيْرِهِ ، إِلَّا مِنْ طَرِيقٍ ضَرُورِيٍّ إِمَّا بِوَاسِطَةٍ أَوْ بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ ، إِذْ قَدِ اعْتَرَفَ الْجَمِيعُ أَنَّ الْعُلُومَ الْمُكْتَسَبَةَ لَابُدَّ فِي تَحْصِيلِهَا مِنْ تَوْسِيطِ مُقَدِّمَتَيْنِ مُعْتَرَفٍ بِهِمَا ، فَإِنْ كَانَتَا ضَرُورِيَّتَيْنِ فَذَاكَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُكْتَسَبَتَيْنِ فَلَابُدَّ فِي اكْتِسَابِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ ، وَيُنْظَرُ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً ضَرُورِيَّةً وَأُخْرَى مُكْتَسِبَةً فَلَابُدَّ لِلْمُكْتَسَبَةِ مِنْ مُقَدِّمَتَيْنِ ، فَإِنِ انْتَهَيْنَا إِلَى ضَرُورِيَّتَيْنِ فَهُوَ الْمَطْلُوبُ ، وَإِلَّا لَزِمَ التَّسَلْسُلُ أَوِ الدَّوْرُ ، وَكِلَاهُمَا مُحَالٌ ، فَإِذًا لَا يُمْكِنُ أَنْ نَعْرِفَ غَيْرَ الضَّرُورِيِّ إِلَّا بِالضَّرُورِيِّ . وَحَاصِلُ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَابُدَّ مِنْ مَعْرِفَتِهَا بِمُقَدِّمَتَيْنِ ، حَصَلَتْ لَنَا كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِمَّا عَقَلْنَاهُ وَعَلِمْنَاهُ مِنْ مَشَاهِدَ بَاطِنَةٍ ، كَالْأَلَمِ وَاللَّذَّةِ أَوْ بِدِيهِيٍّ لِلْعَقْلِ كَعِلْمِنَا بِوُجُودِنَا وَبِأَنَّ الِاثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنَ الْوَاحِدِ ، وَبِأَنَّ الضِّدَّيْنِ لَا يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ لَنَا مُعْتَادٌ فِي هَذِهِ الدَّارِ ، فَإِنَّا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَنَا عِلْمٌ إِلَّا بِمَا هُوَ مُعْتَادٌ فِي هَذَا الدَّارِ ، وَأَمَّا مَا لَيْسَ بِمُعْتَادٍ فَقَبْلَ