يُقَالُ : إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ . وَالنَّاسُ الْأُوَلُ الْقَائِلُونَ كَانُوا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ .
وَقَالَ تَعَالَى : { يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ } [ الحج : 73 ] فَالْمُرَادُ بِالنَّاسِ هُنَا الَّذِينَ اتَّخَذُوا مَنْ دُونِ اللَّهِ إِلَهًا ، دُونَ الْأَطْفَالِ وَالْمَجَانِينِ وَالْمُؤْمِنِينَ .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ } [ الأعراف : 163 ] فَظَاهِرُ السُّؤَالِ عَنِ الْقَرْيَةِ نَفْسِهَا ، وَسِيَاقُ قَوْلِهِ تَعَالَى : { إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ } [ الأعراف : 163 ] إِلَى آخِرِ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا لِأَنَّ الْقَرْيَةَ لَا تَعْدُو وَلَا تَفْسُقُ .
وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً } [ الأنبياء : 11 ] الْآيَةَ ، فَإِنَّهُ لَمَّا قَالَ كَانَتْ ظَالِمَةً دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُهَا .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } [ يوسف : 82 ] الْآيَةَ ، فَالْمَعْنَى بَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ أَهْلُ الْقَرْيَةِ ، وَلَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِاللِّسَانِ فِي ذَلِكَ ، لِأَنَّ الْقَرْيَةَ وَالْعِيرَ لَا يُخْبِرَانِ بِصِدْقِهِمْ .
هَذَا كُلُّهُ مَعْنَى تَقْرِيرِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ التَّصَرُّفَاتِ الثَّابِتَةِ لِلْعَرَبِ وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ مُبِيِّنٌ أَنَّ الْقُرْآنَ لَا يُفْهَمُ إِلَّا عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا أَتَى الشَّافِعِيُّ بِالنَّوْعِ الْأَغْمَضِ مِنْ طَرَائِقِ الْعَرَبِ ، لِأَنَّ سَائِرَ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفَاتِ الْعَرَبِيَّةِ قَدْ بَسَطَهَا أَهْلُهَا ، وَهُمْ أَهْلُ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ ، وَأَهْلُ الْمَعَانِي وَالْبَيَانِ ، وَأَهْلُ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 808
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٨٠٨