تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 666

مساهمون:

ص٦٦٦
الْإِشْكَالِ الْأَوَّلِ ، لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنَ الْإِقْدَامِ وَالْإِحْجَامِ فِعْلٌ لَا بُدَّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ ، وَهُوَ الْجَوَازُ وَعَدَمُهُ ، وَقَدْ عُلِّقَ ذَلِكَ بِطُمَأْنِينَةِ النَّفْسِ أَوْ عَدَمِ طُمَأْنِينَتِهَا . فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَنْ دَلِيلٌ ، فَهُوَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ بِعَيْنِهِ ، بَاقٍ عَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ . وَالْجَوَابُ : أَنَّ الْكَلَامَ الْأَوَّلَ صَحِيحٌ . وَإِنَّمَا النَّظَرُ فِي تَحْقِيقِهِ . فَاعْلَمْ أَنَّ كُلَّ مَسْأَلَةٍ تَفْتَقِرُ إِلَى نَظَرَيْنِ : نَظَرٍ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ ، وَنَظَرٍ فِي مَنَاطِهِ ، فَأَمَّا النَّظَرُ فِي دَلِيلِ الْحُكْمِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إِلَّا مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، أَوْ مَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمَا مِنْ إِجْمَاعٍ أَوْ قِيَاسٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَلَا يُعْتَبَرُ فِيهِ طُمَأْنِينَةُ النَّفْسِ ، وَلَا نَفْيُ رَيْبِ الْقَلْبِ ، إِلَّا مِنْ جِهَةِ اعْتِقَادِ كَوْنِ الدَّلِيلِ دَلِيلًا أَوْ غَيْرَ دَلِيلٍ . وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ ( غَيْرَ ذَلِكَ ) إِلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ الَّذِينَ يَسْتَحْسِنُونَ الْأَمْرَ بِأَشْيَاءَ لَا دَلِيلَ ( عَلَيْهَا ) ، أَوْ يَسْتَقْبِحُونَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ إِلَّا طُمَأْنِينَةَ النَّفْسِ أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا زَعَمُوا ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ . أوَأَمَّا النَّظَرُ فِي مَنَاطِ الْحُكْمِ ، فَإِنَّ الْمَنَاطَ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ ثَابِتًا بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ فَقَطْ ، بَلْ يَثْبُتُ بِدَلِيلٍ غَيْرِ شَرْعِيٍّ أَوْ بِغَيْرِ دَلِيلٍ ، فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ بُلُوغَ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ ، بَلْ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْعِلْمُ فَضْلًا : عَنْ دَرَجَةِ الِاجْتِهَادِ : أَلَا تَرَى أَنَّ الْعَامِّيَّ إِذَا سَأَلَ عَنِ الْفِعْلِ الَّذِي لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ إِذَا فَعَلَهُ الْمُصَلِّي : هَلْ تَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ الْعَامِّيُّ : إِنْ كَانَ يَسِيرًا فَمُغْتَفَرٌ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَمُبْطِلٌ ، لَمْ يُغْتَفَرْ فِي السَيْرِ إِلَى أَنْ يُحَقِّقَهُ لَهُ الْعَالِمُ . بَلِ الْعَاقِلُ يُفَرِّقُ بَيْنَ الْفِعْلِ الْيَسِيرِ وَالْكَثِيرِ . فَقَدِ انْبَنَى هَاهُنَا الْحُكْمُ - وَهُوَ الْبُطْلَانُ أَوْ عَدَمُهُ - عَلَى مَا يَقَعُ بِنَفْسٍ الْعَامِّيُّ ، وَلَيْسَ وَاحِدًا