تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
بِدْعَةً يَرَاهَا حَسَنَةً ، زَعَمَ أَنَّ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَانَ الرِّسَالَةَ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ المائدة : 3 ] ، فَمَا لَمْ يَكُنْ يَوْمَئِذٍ دِينًا ، فَلَا يَكُونُ الْيَوْمَ دِينًا . وَالثَّالِثُ : أَنَّ الْمُبْتَدِعَ مُعَانِدٌ لِلشَّرْعِ ، وَمَشَاقٌّ لَهُ ; لِأَنَّ الشَّارِعَ قَدْ عَيَّنَ لِمَطَالِبِ الْعَبْدِ طُرُقًا خَاصَّةً عَلَى وُجُوهٍ خَاصَّةٍ ، وَقَصَرَ الْخَلْقَ عَلَيْهَا بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّ الْخَيْرَ فِيهَا ، وَأَنَّ الشَّرَّ فِي تَعَدِّيهَا إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، لِأَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا أَرْسَلَ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ . فَالْمُبْتَدِعُ رَادٌّ لِهَذَا كُلِّهِ ، فَإِنَّهُ يَزْعُمُ أَنَّ ثَمَّ طُرُقًا أُخَرَ ، لَيْسَ مَا حَصَرَهُ الشَّارِعُ بِمَحْصُورٍ ، وَلَا مَا عَيَّنَهُ بِمُتَعَيِّنٍ ، كَأَنَّ الشَّارِعَ يَعْلَمُ وَنَحْنُ أَيْضًا نَعْلَمُ ، بَلْ رُبَّمَا يَفْهَمُ مِنِ اسْتِدْرَاكِهِ الطُّرُقَ عَلَى الشَّارِعِ ، أَنَّهُ عَلِمَ مَا لَمْ يَعْلَمْهُ الشَّارِعُ ، وَهَذَا إِنْ كَانَ مَقْصُودًا لِلْمُبْتَدِعِ ; فَهُوَ كُفْرٌ بِالشَّرِيعَةِ وَالشَّارِعِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَقْصُودٍ ; فَهُوَ ضَلَالٌ مُبِينٌ . وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، إِذْ كَتَبَ لَهُ عَدِيُّ بْنُ أَرْطَأَةَ يَسْتَشِيرُهُ فِي بَعْضِ الْقَدَرِيَّةِ ؟ فَكَتَبَ إِلَيْهِ : أَمَّا بَعْدُ ; فَإِنِّي أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللَّهِ وَالِاقْتِصَادِ فِي أَمْرِهِ ، وَاتِّبَاعِ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَرْكِ مَا أَحْدَثَ الْمُحْدِثُونَ فِيمَا قَدْ جَرَتْ سُنَّتُهُ وَكُفُوا مُؤْنَتَهُ . فَعَلَيْكَ بِلُزُومِ السُّنَّةِ ; فَإِنَّ السُّنَّةَ إِنَّمَا سَنَّهَا مَنْ قَدْ عَرَفَ مَا فِي خِلَافِهَا مِنَ الْخَطَأِ وَالزَّلَلِ وَالْحُمْقِ وَالتَّعَمُّقِ . فَارْضَ لِنَفْسِكَ بِمَا رَضِيَ بِهِ الْقَوْمُ لِأَنْفُسِهِمْ ; فَإِنَّهُمْ عَلَى عِلْمٍ وَقَفُوا ،
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 65 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي