بَعْدَهَا بَعْضُ الْأُصُولِ الْمَعْلُومَةِ .
فَأَتَى الْفَلَاسِفَةُ إِلَى تِلْكَ الْأُصُولِ ، فَتَلَقَّفُوهَا أَوْ تَلَقَّفُوا مِنْهَا ، فَأَرَادُوا أَنْ يُخَرِّجُوهُ عَلَى مُقْتَضَى عُقُولِهِمْ ، وَجَعَلُوا ذَلِكَ عَقْلِيًّا لَا شَرْعِيًّا .
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا ، فَالْعَقْلُ غَيْرُ مُسْتَقِلٍّ أَلْبَتَّةَ ، وَلَا يَنْبَنِي عَلَى غَيْرِ أَصْلٍ ، وَإِنَّمَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مُتَقَدِّمٍ مُسَلَّمٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ ، وَلَا يُمْكِنُ فِي أَحْوَالِ الْآخِرَةِ قِبَلَهُمْ أَصْلٌ مُسَلَّمٌ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ الْوَحْيِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى بَسْطٌ سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ .
فَعَلَى الْجُمْلَةِ : الْعُقُولُ لَا تَسْتَقِلُّ بِإِدْرَاكِ مَصَالِحِهَا دُونَ الْوَحْيِ ، فَالِابْتِدَاعُ مُضَادٌّ لِهَذَا الْأَصْلِ ، لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مُسْتَنَدٌ شَرْعِيٌّ بِالْفَرْضِ ، فَلَا يَبْقَى إِلَّا مَا ادَّعَوْهُ مِنَ الْعَقْلِ .
فَالْمُبْتَدِعُ لَيْسَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْ بِدْعَتِهِ أَنْ يَنَالَ بِسَبَبِ الْعَمَلِ بِهَا مَا رَامَ تَحْصِيلَهُ مِنْ جِهَتِهَا ، فَصَارَتْ كَالْعَبَثِ .
هَذَا إِنْ قُلْنَا : إِنَّ الشَّرَائِعَ جَاءَتْ لِمَصَالِحِ الْعِبَادِ .
وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ ; فَأَحْرَى أَنْ لَا يَكُونَ صَاحِبُ الْبِدْعَةِ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهَا ; لِأَنَّهَا إِذْ ذَاكَ مُجَرَّدُ تَعَبُّدٍ وَإِلْزَامٍ مِنْ جِهَةِ الْآمِرِ لِلْمَأْمُورِ ، وَالْعَقْلُ بِمَعْزِلٍ عَنْ هَذِهِ الْخُطَّةِ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ .
وَنَاهِيكَ مِنْ نِحْلَةٍ يَنْتَحِلُهَا صَاحِبُهَا فِي أَرْفَعِ مُطَالَبَةٍ لَا ثِقَةَ بِهَا ، وَيُلْقِي مِنْ يَدِهِ مَا هُوَ عَلَى ثِقَةٍ مِنْهُ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الشَّرِيعَةَ جَاءَتْ كَامِلَةً لَا تَحْتَمِلُ الزِّيَادَةَ وَلَا النُّقْصَانَ :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 63
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٣