وَالْخَامِسُ : أَنَّهُ اتِّبَاعٌ لِلْهَوَى ; لِأَنَّ الْعَقْلَ إِذَا لَمْ يَكُنْ مُتَّبِعًا لِلشَّرْعِ ، لَمْ يَبْقَ لَهُ إِلَّا الْهَوَى وَالشَّهْوَةُ ، وَأَنْتَ تَعْلَمُ مَا فِي اتِّبَاعِ الْهَوَى وَأَنَّهُ ضَلَالٌ مُبِينٌ .
أَلَا تَرَى قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى : { يَادَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ } [ ص : 26 ] .
فَحَصَرَ الْحُكْمَ فِي أَمْرَيْنِ لَا ثَالِثَ لَهُمَا عِنْدَهُ ، وَهُوَ الْحَقُّ وَالْهَوَى ، وَعَزَلَ الْعَقْلَ مُجَرَّدًا إِذْ لَا يُمْكِنُ فِي الْعَادَةِ إِلَّا ذَلِكَ .
وَقَالَ : { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ } [ الكهف : 28 ] ، فَجَعَلَ الْأَمْرَ مَحْصُورًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ : اتِّبَاعِ الذِّكْرِ ، وَاتِّبَاعِ الْهَوَى .
وَقَالَ : { وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنَ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ } [ القصص : 50 ] . وَهِيَ مِثْلُ مَا قَبْلَهَا .
وَتَأَمَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ ; فَإِنَّهَا صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَّبِعْ هُدَى اللَّهِ فِي هَوَى نَفْسِهِ ، فَلَا أَحَدَ أَضَلُّ مِنْهُ . وَهَذَا شَأْنُ الْمُبْتَدِعِ ، فَإِنَّهُ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ . وَهُدَى اللَّهِ هُوَ الْقُرْآنُ .
وَمَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ وَبَيَّنَتْهُ الْآيَةُ أَنَّ اتِّبَاعَ الْهَوَى عَلَى ضَرْبَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ تَابِعًا لِلْأَمْرِ وَالنَّهْيِ ، فَلَيْسَ بِمَذْمُومٍ وَلَا صَاحِبُهُ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 67
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٧