فَقَالَ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ : مَا يَقُولُ الشَّيْخُ فِي فَتْوَى أَصْحَابِهِ ؟ فَقَالَ لَهُ : لَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمْ ، وَأَقُولُ بِالصِّيَامِ . فَقِيلَ لَهُ : أَلَيْسَ مَذْهَبُ مَالِكٍ الْإِطْعَامُ ؟ فَقَالَ لَهُمْ : تَحْفَظُونَ مَذْهَبَ مَالِكٍ ، إِلَا إِنْ كُنْتُمْ تُرِيدُونَ مُصَانَعَةَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ . إِنَّمَا أَمَرَ بِالْإِطْعَامِ لِمَنْ لَهُ مَالٌ ، وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ لَا مَالَ لَهُ ، إِنَّمَا هُوَ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَخَذَ بِقَوْلِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَشَكَرَ لَهُ عَلَيْهِ اه - . وَهَذَا صَحِيحٌ .
نَعَمْ - حَكَى ابْنُ بَشْكُوَالَ أَنَّهُ اتَّفَقَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَكَمِ مِثْلُ هَذَا فِي رَمَضَانَ ، فَسَأَلَ الْفُقَهَاءَ عَنْ تَوْبَتِهِ مِنْ ذَلِكَ وَكَفَّارَتِهِ . فَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى : يُكَفِّرُ ذَلِكَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . فَلَمَّا بَرَزَ ذَلِكَ مِنْ يَحْيَى سَكَتَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ حَتَّى خَرَجُوا مِنْ عِنْدِهِ ، فَقَالُوا لِيَحْيَى : مَا لَكَ لَمْ تُفْتِهِ بِمَذْهَبِنَا عَنْ مَالِكٍ مِنْ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْعِتْقِ وَالطَّعَامِ وَالصِّيَامِ ؟ فَقَالَ لَهُمْ : لَوْ فَتَحْنَا لَهُ هَذَا الْبَابَ سَهُلَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَأَ كُلَّ يَوْمٍ وَيُعْتِقَ رَقَبَةً ، وَلَكِنْ حَمَلْتُهُ عَلَى أَصْعَبِ الْأُمُورِ لِئَلَّا يَعُودَ .
فَإِنْ صَحَّ هَذَا عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَكَانَ كَلَامُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ، كَانَ مُخَالِفًا لِلْإِجْمَاعِ .
( الثَّالِثُ ) : مَا سَكَتَتْ عَنْهُ الشَّوَاهِدُ الْخَاصَّةُ ، فَلَمْ تَشْهَدْ بِاعْتِبَارِهِ وَلَا بِإِلْغَائِهِ . فَهَذَا عَلَى وَجْهَيْنِ :
أَحَدُهُمَا : أَنْ يَرِدَ نَصٌّ عَلَى وَفْقِ ذَلِكَ الْمَعْنَى ، كَتَعْلِيلِ مَنْعِ الْقَتْلِ لِلْمِيرَاثِ ، فَالْمُعَامَلَةُ بِنَقِيضِ الْمَقْصُودِ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَمْ يَرِدْ نَصٌّ عَلَى وَفْقِهِ ؛ فَإِنَّ هَذِهِ الْعِلَّةَ لَا عَهْدَ بِهَا فِي تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ بِالْفَرْضِ وَلَا بِمُلَائِمِهَا بِحَيْثُ يُوجَدُ لَهَا جِنْسٌ مُعْتَبَرٌ ، فَلَا يَصِحُّ التَّعْلِيلُ بِهَا ، وَلَا بِنَاءُ الْحُكْمِ عَلَيْهَا بِاتِّفَاقٍ ،
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 611
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦١١