تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 610

مساهمون:

ص٦١٠
الْمُسْلِمِينَ . وَمِثَالُ [ ذَلِكَ ] مَا حَكَى الْغَزَالِيُّ عَنْ بَعْضِ أَكَابِرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى بَعْضِ السَّلَاطِينِ فَسَأَلَهُ عَنِ الْوِقَاعِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ ، فَقَالَ : عَلَيْكَ صِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . فَلَمَّا خَرَجَ رَاجَعَهُ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ وَقَالُوا لَهُ : الْقَادِرُ عَلَى إِعْتَاقِ الرَّقَبَةِ كَيْفَ يُعْدَلُ بِهِ إِلَى الصَّوْمِ وَالصَّوْمُ وَظِيفَةُ الْمُعْسِرِينَ ، وَهَذَا الْمَلِكُ يَمْلِكُ عَبِيدًا غَيْرَ مَحْصُورِينَ ؟ فَقَالَ لَهُمْ : لَوْ قُلْتُ لَهُ عَلَيْكَ إِعْتَاقُ رَقَبَةٍ لَاسْتَحْقَرَ ذَلِكَ وَأَعْتَقَ عَبِيدًا مِرَارًا ، فَلَا يَزْجُرُهُ إِعْتَاقُ الرَّقَبَةِ وَيَزْجُرُهُ صَوْمُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ . فَهَذَا الْمَعْنَى مُنَاسِبٌ ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ ، مَقْصُودُ الشَّرْعِ مِنْهَا الزَّجْرُ ، وَالْمَلِكُ لَا يَزْجُرُهُ الْإِعْتَاقُ وَيَزْجُرُهُ الصِّيَامُ . وَهَذِهِ الْفُتْيَا بَاطِلَةٌ لِأَنَّ الْعُلَمَاءَ بَيْنَ قَائِلَيْنِ : قَائِلٌ بِالتَّخْيِيرِ ، وَقَائِلٌ بِالتَّرْتِيبِ ، فَيُقَدِّمُ الْعِتْقَ عَلَى الصِّيَامِ ، فَتَقْدِيمُ الصِّيَامِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الْغَنِيِّ لَا قَائِلَ بِهِ . عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ شَيْءٌ يُشْبِهُ هَذَا ، لَكِنَّهُ عَلَى صَرِيحِ الْفِقْهِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ : حَنَثَ الرَّشِيدُ فِي يَمِينٍ فَجَمَعَ الْعُلَمَاءَ فَأَجْمَعُوا أَنَّ عَلَيْهِ عِتْقَ رَقَبَةٍ . فَسَأَلَ مَالِكًا . فَقَالَ : صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَاتَّبَعَهُ عَلَى ذَلِكَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ مِنْ فُقَهَاءِ قُرْطُبَةَ . حَكَى ابْنُ بِشْكُوَالَ أَنَّ الْحَكَمَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَرْسَلَ فِي الْفُقَهَاءِ وَشَاوَرَهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ نَزَلَتْ بِهِ ، فَذَكَرَ لَهُمْ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ عَمَدَ إِلَى إِحْدَى كَرَائِمِهِ وَوَطِئَهَا فِي رَمَضَانَ ، فَأَفْتَوْا بِالْإِطْعَامِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ سَاكِتٌ .