وَمِثْلُ هَذَا تَشْرِيعٌ مِنَ الْقَائِلِ بِهِ فَلَا يُمْكِنُ قَبُولُهُ .
وَالثَّانِي : أَنْ يُلَائِمَ تَصَرُّفَاتِ الشَّرْعِ ، وَهُوَ أَنْ يُوجَدَ لِذَلِكَ الْمَعْنَى جِنْسٌ اعْتَبَرَهُ الشَّارِعُ فِي الْجُمْلَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مُعَيَّنٍ ، وَهُوَ الِاسْتِدْلَالُ الْمُرْسَلُ ، الْمُسَمَّى بِالْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ وَلَا بُدَّ مِنْ بَسْطِهِ بِالْأَمْثِلَةِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ وَجْهُهُ بِحَوْلِ اللَّهِ .
[ أَمْثِلَةٌ تُوَضِّحُ الْوَجْهَ الْعَمَلِيَّ فِي الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ]
[ جَمْعُ الْقُرْآنِ ]
وَلِنَقْتَصِرِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ لِلْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ أَحَدُهَا : أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّفَقُوا عَلَى جَمْعِ الْمُصْحَفِ ، وَلَيْسَ ثَمَّ نَصٌّ عَلَى جَمْعِهِ وَكَتْبِهِ أَيْضًا ، بَلْ قَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ : كَيْفَ نَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ : أَرْسَلَ إِلَيَّ أَبُو بَكْرٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - مَقْتَلَ ( أَهْلِ ) الْيَمَامَةِ ، وَإِذَا عِنْدَهُ عُمَرُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قَالَ أَبُو بَكْرٍ : ( إِنَّ عُمَرَ أَتَانِي فَقَالَ ) : إِنَّ الْقَتْلَ قَدِ اسْتَحَرَّ بِقُرَّاءِ الْقُرْآنِ يَوْمَ الْيَمَامَةِ ، وَإِنِّي أَخْشَى أَنْ يَسْتَحِرَّ الْقَتْلُ بِالْقُرَّاءِ فِي الْمَوَاطِنِ كُلِّهَا فَيَذْهَبَ قُرْآنٌ كَثِيرٌ ، وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَأْمُرَ بِجَمْعِ الْقُرْآنِ . قَالَ : فَقُلْتُ لَهُ : كَيْفَ أَفْعَلُ شَيْئًا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ لِي : هُوَ - وَاللَّهِ - خَيْرٌ .
فَلَمْ يَزَلْ عُمَرُ يُرَاجِعُنِي فِي ذَلِكَ حَتَّى شَرَحَ اللَّهُ صَدْرِي لَهُ ، وَرَأَيْتُ فِيهِ الَّذِي رَأَى عُمَرُ .
قَالَ زَيْدٌ : فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : إِنَّكَ رَجُلٌ شَابٌّ عَاقِلٌ لَا نَتَّهِمُكَ ، قَدْ كُنْتَ تَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَتَتَبَّعِ الْقُرْآنَ فَاجْمَعْهُ . قَالَ زَيْدٌ : فَوَاللَّهِ لَوْ كَلَّفُونِي نَقْلَ جَبَلٍ مِنَ الْجِبَالِ مَا كَانَ أَثْقَلَ عَلَيَّ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 612
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦١٢