وَقَالَ طَاوُسٌ : مَا رَأَيْتُ بَيْتًا أَكْثَرَ لَحْمًا وَخُبْزًا وَعِلْمًا مِنْ بَيْتِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ كُلَّ يَوْمٍ ، ثُمَّ لَا يَذْبَحُ يَوْمَ الْعِيدِ . وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ . وَكَانَ إِمَامًا يُقْتَدَى بِهِ .
قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ : وَالْقَوْلُ فِي هَذَا كَالَّذِي قَبْلَهُ ، وَإِنَّ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ قَوْلَيْنِ فِي الْأُضْحِيَّةِ . أَحَدُهُمَا سُنَّةٌ ، وَالثَّانِي وَاجِبَةٌ ، ثُمَّ اقْتَحَمَتِ الصَّحَابَةُ تَرْكَ السُّنَّةِ حَذَرًا مِنْ أَنْ يَضَعَ النَّاسُ الْأَمْرَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ فَيَعْتَقِدُونَهَا فَرِيضَةً .
قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ فِي صِيَامِ سِتَّةٍ بَعْدَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ : أَنَّهُ لَمْ يَرَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ يَصُومُهَا .
قَالَ : وَلَمْ يَبْلُغْنِي ذَلِكَ عَنْ أَحَدٍ مِنَ السَّلَفِ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ ذَلِكَ وَيَخَافُونَ بِدْعَتَهُ ، وَأَنْ يُلْحِقَ أَهْلُ الْجَهَالَةِ وَالْجَفَاءِ بِرَمَضَانَ مَا لَيْسَ مِنْهُ لَوْ رَأَوْا فِي ذَلِكَ رُخْصَةً مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَرَأَوْهُمْ يَقُولُونَ ذَلِكَ .
فَكَلَامُ مَالِكٍ هُنَا لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْفَظِ الْحَدِيثَ كَمَا تَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ ، بَلْ لَعَلَّ كَلَامَهُ مُشْعِرٌ بِأَنَّهُ يَعْلَمُهُ ، لَكِنَّهُ لَمْ يَرَ الْعَمَلَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ مُسْتَحَبًّا فِي الْأَصْلِ ، لِئَلَّا يَكُونَ ذَرِيعَةً لِمَا قَالَ ، كَمَا فَعَلَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - فِي الْأُضْحِيَّةِ ، وَعُثْمَانُ فِي الْإِتْمَامِ فِي السَّفَرِ .
وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ مَا هُوَ أَغْرَبُ مِنْ هَذَا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْأَصْلَ ، فَذَكَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا إِذَا صَلَّوْا فِي الصَّحْنِ مِنْ جَامِعِ الْبَصْرَةِ أَوِ الطُّرْقَةِ وَرَفَعُوا مِنَ السُّجُودِ مَسَحُوا جِبَاهَهُمْ مِنَ التُّرَابِ ، لِأَنَّهُ كَانَ مَفْرُوشًا ، فَأَمَرَ زِيَادٌ بِإِلْقَاءِ الْحَصَا فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ : لَسْتُ آمَنُ مِنْ أَنْ يَطُولَ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 603
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٦٠٣