تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 602

مساهمون:

ص٦٠٢
وَلَمْ يَزَلِ الْعُلَمَاءُ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ يَتَحَفَّظُونَ مِنْ أَمْثَالِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ، حَتَّى كَانُوا يَتْرُكُونَ السُّنَنَ ، خَوْفًا مِنِ اعْتِقَادِ الْعَوَامِّ أَمْرًا هُوَ أَشَدُّ مِنْ تَرْكِ السُّنَنِ ، وَأَوْلَى أَنْ يَتْرُكُوا الْمُبَاحَاتِ أَنْ لَا يُعْتَقَدَ فِيهَا أَمْرٌ لَيْسَ بِمَشْرُوعٍ ، وَقَدْ مَرَّ بَيَانُ هَذَا فِي بَابِ الْبَيَانِ مِنْ كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ . فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - كَانَ لَا يَقْصُرُ فِي السَّفَرِ فَيُقَالُ لَهُ : أَلَيْسَ قَدْ قَصَرْتَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَيَقُولُ : بَلَى وَلَكِنِّي إِمَامُ النَّاسِ فَيَنْظُرُ إِلَيَّ الْأَعْرَابُ وَأَهْلُ الْبَادِيَةِ أُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فَيَقُولُونَ : هَكَذَا فُرِضَتْ . قَالَ الطَّرْطُوشِيُّ : تَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ ! فَإِنَّ فِي الْقَصْرِ قَوْلَيْنِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ : مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : فَرِيضَةٌ ، وَمَنْ أَتَمَّ فَإِنَّمَا يُتِمُّ وَيُعِيدُ أَبَدًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : سُنَّةٌ ، يُعِيدُ مَنْ أَتَمَّ فِي الْوَقْتِ ، ثُمَّ اقْتَحَمَ عُثْمَانُ تَرْكَ الْفَرْضِ أَوِ السُّنَّةِ لَمَّا خَافَ مِنْ سُوءِ الْعَاقِبَةِ أَنْ يَعْتَقِدَ النَّاسُ أَنَّ الْفَرْضَ رَكْعَتَانِ . وَكَانَ الصَّحَابَةُ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ - لَا يُضَحُّونَ ( يَعْنِي أَنَّهُمْ لَا يَلْتَزِمُونَ الْأُضْحِيَّةَ ) . قَالَ حُذَيْفَةُ بْنُ أَسَدٍ : شَهِدْتُ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - لَا يُضَحِّيَانِ مَخَافَةَ أَنْ يُرَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ . وَقَالَ بِلَالٌ : لَا أُبَالِي أَنْ أُضَحِّيَ بِكَبْشَيْنِ أَوْ بِدِيكٍ . وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - أَنَّهُ كَانَ يَشْتَرِي لَحْمًا بِدِرْهَمٍ يَوْمَ الْأَضْحَى ، وَيَقُولُ لِعِكْرِمَةَ : مَنْ سَأَلَكَ فَقُلْ هَذِهِ أُضْحِيَّةُ ابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إِنِّي لَأَتْرُكُ أُضْحِيَّتِي - وَإِنِّي لَمِنْ أَيْسَرِكُمْ - مَخَافَةَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهَا وَاجِبَةٌ .