تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 527

مساهمون:

ص٥٢٧
فَخَرَجَتْ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ فِرْقَةٌ زَعَمَتْ أَنَّ الْعَقْلَ لَهُ مَجَالٌ فِي التَّشْرِيعِ ، وَأَنَّهُ مُحَسِّنٌ وَمُقَبِّحٌ ، فَابْتَدَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَيْسَ فِيهِ . وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْخَمْرَ لَمَّا حُرِّمَتْ ، وَنَزَلَ مِنَ الْقُرْآنِ - فِي شَأْنِ مَنْ مَاتَ قَبْلَ التَّحْرِيمِ وَهُوَ وَيَشْرَبُهَا - قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } [ المائدة : 93 ] . الْآيَةَ . تَأَوَّلَهَا قَوْمٌ - فِيمَا ذُكِرَ - عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ حَلَالٌ ، وَأَنَّهَا دَاخِلَةٌ تَحْتَ قَوْلِهِ : فِيمَا طَعِمُوا . فَذَكَرَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ عَلِيٍّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، قَالَ : شَرِبَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ الْخَمْرَ وَعَلَيْهِمْ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ ، فَقَالُوا : هِيَ لَنَا حَلَالٌ . وَتَأَوَّلُوا هَذِهِ الْآيَةَ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا } [ المائدة : 93 ] الْآيَةَ . قَالَ فَكَتَبَ فِيهِمْ إِلَى عُمَرَ . قَالَ : فَكَتَبَ عُمَرُ إِلَيْهِ : أَنِ ابْعَثْ بِهِمْ إِلَيَّ قَبْلَ أَنْ يُفْسِدُوا مَنْ قِبَلَكَ ، فَلَمَّا قَدِمُوا إِلَى عُمَرَ اسْتَشَارَ فِيهِمُ النَّاسَ ، فَقَالُوا : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ! نَرَى أَنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَشَرَعُوا فِي دِينِهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ فَاضْرِبْ أَعْنَاقَهُمْ ، وَعَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - سَاكِتٌ ، قَالَ : فَمَا تَقُولُ يَا أَبَا الْحَسَنِ ؟ فَقَالَ : أَرَى أَنْ تَسْتَتِيبَهُمْ فَإِنْ تَابُوا جَلَدْتَهُمْ ثَمَانِينَ لِشُرْبِهِمُ الْخَمْرَ ، وَإِنْ لَمْ يَتُوبُوا ضَرَبْتَ أَعْنَاقَهُمْ ، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وَشَرَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ . فَهَؤُلَاءِ اسْتَحَلُّوا بِالتَّأْوِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ بِنَصِّ الْكِتَابِ ، وَشَهِدَ فِيهِمْ عَلِيٌّ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - ، وَغَيْرُهُ مِنَ الصَّحَابَةِ ، بِأَنَّهُمْ شَرَعُوا فِي دِينِ اللَّهِ ، وَهَذِهِ هِيَ