الْبِدْعَةُ بِعَيْنِهَا ، فَهَذَا وَجْهٌ .
وَأَيْضًا ; فَإِنَّ بَعْضَ الْفَلَاسِفَةِ الْإِسْلَامِيِّينَ تَأَوَّلَ فِيهَا غَيْرَ هَذَا ، وَأَنَّهُ إِنَّمَا يَشْرَبُهَا لِلنَّفْعِ لَا لِلَّهْوِ ، وَعَاهَدَ اللَّهَ عَلَى ذَلِكَ ، فَكَأَنَّهَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْأَدْوِيَةِ أَوْ غِذَاءٌ صَالِحٌ يَصْلُحُ لِحِفْظِ الصِّحَّةِ . وَيُحْكَى هَذَا الْعَهْدُ عَنِ ابْنِ سِينَا .
وَرَأَيْتُ فِي بَعْضِ كَلَامِ النَّاسِ مِمَّنْ عُرِفَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعِينُ فِي سَهَرِهِ لِلْعِلْمِ وَالتَّصْنِيفِ وَالنَّظَرِ بِالْخَمْرِ ، فَإِذَا رَأَى مِنْ نَفْسِهِ كَسَلًا أَوْ فِتْرَةً شَرِبَ مِنْهَا قَدْرَ مَا يُنَشِّطُهُ وَيَنْفِي عَنْهُ الْكَسَلَ ، بَلْ ذَكَرُوا فِيهَا أَنَّ لَهَا حَرَارَةً خَاصَّةً تَفْعَلُ أَفْعَالًا كَثِيرَةً تُطَيِّبُ النَّفْسَ ، وَتُصَيِّرُ الْإِنْسَانَ مُحِبًّا لِلْحِكْمَةِ ، وَتَجْعَلُهُ حَسَنَ الْحَرَكَةِ ، وَالذِّهْنِ ، وَالْمَعْرِفَةِ ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهَا عَلَى الِاعْتِدَالِ عَرَفَ الْأَشْيَاءَ ، وَفَهِمَهَا ، وَتَذَكَّرَهَا بَعْدَ النِّسْيَانِ .
فَلِهَذَا - وَاللَّهُ أَعْلَمُ - كَانَ ابْنُ سِينَا لَا يَتْرُكُ اسْتِعْمَالَهَا - عَلَى مَا ذُكِرَ عَنْهُ - وَهُوَ كُلُّهُ ضَلَالٌ مُبِينٌ ، عِيَاذًا بِاللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَا يُقَالُ : إِنَّ هَذَا دَاخِلٌ تَحْتِ مَسْأَلَةِ التَّدَاوِي بِهَا . وَفِيهَا خِلَافٌ شَهِيرٌ ، لِأَنَّا نَقُولُ : إِنَّمَا ثَبَتَ عَنِ ابْنِ سِينَا أَنَّهُ كَانَ يَسْتَعْمِلُهَا اسْتِعْمَالَ الْأُمُورِ الْمُنَشِّطَةِ مِنَ الْكَسَلِ وَالْحِفْظِ لِلصِّحَّةِ ، وَالْقُوَّةِ عَلَى الْقِيَامِ بِوَظَائِفِ الْأَعْمَالِ ، أَوْ مَا يُنَاسِبُ ذَلِكَ ، لَا فِي الْأَمْرَاضِ الْمُؤَثِّرَةِ فِي الْأَجْسَامِ . وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي اسْتِعْمَالِهَا فِي الْأَمْرَاضِ لَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ ، فَهُوَ وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ مُتَقَوِّلُونَ عَلَى شَرِيعَةِ اللَّهِ مُبْتَدِعُونَ فِيهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ رَأْيُ أَهْلِ الْإِبَاحَةِ فِي الْخَمْرِ وَغَيْرِهَا ، وَلَا تَوْفِيقَ إِلَّا بِاللَّهِ .
[ فَصْلٌ مِثَالٌ لِوُقُوعِ الْبِدَعِ فِي الْمَالِ ]
وَمِثَالُ مَا يَقَعُ فِي الْمَالِ :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 528
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٢٨