تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 521

مساهمون:

ص٥٢١
{ بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ } [ التكوير : 9 ] . وَقَوْلَهُ : { وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا } [ النحل : 58 ] الْآيَةَ . وَهَذَا الْقَتْلُ مُحْتَمَلٌ أَنْ يَكُونَ دِينًا وَشِرْعَةً ابْتَدَعُوهَا ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَادَةً تَعَوَّدُوهَا ، بِحَيْثُ لَمْ يَتَّخِذُوهَا شِرْعَةً ، إِلَّا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ذَمَّهُمْ عَلَيْهَا فَلَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْبِدْعَةِ بَلْ بِمُجَرَّدِ الْمَعْصِيَةِ ، فَنَظَرْنَا هَلْ نَجِدُ لِأَحَدِ الْمُحْتَمَلَيْنِ عَاضِدًا يَكُونُ هُوَ الْأَوْلَى فِي حَمْلِ الْآيَاتِ عَلَيْهِ ؟ فَوَجَدْنَا قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } [ الأنعام : 137 ] فَإِنَّ الْآيَةَ صَرَّحَتْ أَنَّ لِهَذَا التَّزْيِينِ سَبَبَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْإِرْدَاءُ وَهُوَ الْإِهْلَاكُ . وَالْآخَرُ لَبْسُ الدِّينِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ } [ الأنعام : 137 ] وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِتَغْيِيرِهِ وَتَبْدِيلِهِ أَوِ الزِّيَادَةِ فِيهِ أَوِ النُّقْصَانِ مِنْهُ ، وَهُوَ الِابْتِدَاعُ بِلَا إِشْكَالٍ ، وَإِنَّمَا كَانَ دِينُهُمْ أَوَّلًا دِينَ أَبِيهِمْ ( إِبْرَاهِيمَ ) فَصَارَ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ مَا بَدَّلُوا فِيهِ ، كَالْبَحِيرَةِ وَالسَّائِبَةِ وَنَصْبِ الْأَصْنَامِ وَغَيْرِهَا ، حَتَّى عُدَّ مِنْ جُمْلَةِ دِينِهِمُ الَّذِي يَدِينُونَ بِهِ . وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى بَعْدُ : { فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ } [ الأنعام : 112 ] فَنَسَبَهُمْ إِلَى الِافْتِرَاءِ - كَمَا تَرَى - وَالْعِصْيَانُ مِنْ حَيْثُ هُوَ عِصْيَانٌ لَا يَكُونُ افْتِرَاءً ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِافْتِرَاءُ فِي نَفْسِ التَّشْرِيعِ فِي أَنَّ هَذَا الْقَتْلَ مِنْ جُمْلَةِ مَا جَاءَ مِنَ الدِّينِ .