وَمَرْتَبَةُ الْعَقْلِ وَالْمَالِ لَيْسَتْ كَمَرْتَبَةِ النَّفْسِ ، أَلَا تَرَى أَنَّ قَتْلَ النَّفْسِ مُبِيحٌ لِلْقِصَّاصِ ؟ فَالْقَتْلُ بِخِلَافِ الْعَقْلِ وَالْمَالِ ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا بَقِيَ .
وَإِذَا نَظَرْتَ فِي مَرْتَبَةِ النَّفْسِ تَبَايَنَتِ الْمَرَاتِبُ ، فَلَيْسَ قَطْعُ الْعُضْوِ كَالذَّبْحِ ، وَلَا الْخَدْشُ كَقَطْعِ الْعُضْوِ وَهَذَا كُلُّهُ مَحَلُّ بَيَانِهِ الْأُصُولُ .
[ فَصْلٌ تَفَاوَتُ الْبِدَعِ ]
[ مِثَالٌ لِوُقُوعِ الْبِدَعِ فِي الدِّينِ ]
وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ : فَالْبِدَعُ مِنْ جُمْلَةِ الْمَعَاصِي ، وَقَدْ ثَبَتَ التَّفَاوُتُ فِي الْمَعَاصِي ، فَكَذَلِكَ يُتَصَوَّرُ مِثْلُهُ فِي الْبِدَعِ . فَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي الضَّرُورِيَّاتِ ( أَيْ أَنَّهُ إِخْلَالٌ بِهَا ) ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الْحَاجِيَّاتِ ، وَمِنْهَا مَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ التَّحْسِينِاتِ ، وَمَا يَقَعُ فِي رُتْبَةِ الضَّرُورِيَّاتِ ، مِنْهُ مَا يَقَعُ فِي الدِّينِ أَوِ النَّفْسِ أَوِ النَّسْلِ أَوِ الْعَقْلِ أَوِ الْمَالِ .
فَمِثَالُ وُقُوعِهِ فِي الدِّينِ مَا تَقَدَّمَ مِنِ اخْتِرَاعِ الْكُفَّارِ وَتَغْيِيرِهِمْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، مِنْ نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ } [ المائدة : 103 ] فَرُوِيَ عَنِ الْمُفَسِّرِينَ فِيهَا أَقْوَالٌ كَثِيرَةٌ ، وَفِيهَا عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ الْبَحِيرَةَ مِنَ الْإِبِلِ هِيَ الَّتِي يُمْنَحُ دَرُّهَا لِلطَّوَاغِيتِ ، وَالسَّائِبَةُ هِيَ الَّتِي يُسَيِّبُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ ، وَالْوَصِيلَةُ هِيَ النَّاقَةُ تُبَكِّرُ بِالْأُنْثَى ثُمَّ تُثَنِّي بِالْأُنْثَى ، يَقُولُونَ : وَصَلَتْ أُنْثَيَيْنِ لَيْسَ بَيْنَهُمَا ذَكَرٌ ، فَيَجْدَعُونَهَا لِطَوَاغِيتِهِمْ ، وَالْحَامِي هُوَ الْفَحْلُ مِنَ الْإِبِلِ كَانَ يَضْرِبُ الضِّرَابَ الْمَعْدُودَةَ ، فَإِذَا بَلَغَ ذَلِكَ قَالُوا :
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 518
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥١٨