أَنَّهَا : فِقْهُ التَّعَبُّدِ بِالْأَلْفَاظِ الشَّرْعِيَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعَانِيهَا ; كَيْفَ تُؤْخَذُ وَتُؤَدَّى ؟
وَأُصُولُ الْفِقْهِ ; إِنَّمَا مَعْنَاهَا اسْتِقْرَاءُ كُلِّيَّاتِ الْأَدِلَّةِ ، حَتَّى تَكُونَ عِنْدَ الْمُجْتَهِدِ نُصْبَ عَيْنٍ وَعِنْدَ الطَّالِبِ سَهْلَةُ الْمُلْتَمَسِ .
وَكَذَلِكَ أُصُولُ الدِّينِ ، وَهُوَ عِلْمُ الْكَلَامِ ، إِنَّمَا حَاصِلُهُ تَقْرِيرٌ لِأَدِلَّةِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ أَوْ مَا يَنْشَأُ عَنْهَا فِي التَّوْحِيدِ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ، كَمَا كَانَ الْفِقْهُ تَقْرِيرًا لِأَدِلَّتِهَا فِي الْفُرُوعِ الْعِبَادِيَّةِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَإِنَّ تَصْنِيفَهَا عَلَى ذَلِكَ الْوَجْهِ مُخْتَرَعٌ ؟
فَالْجَوَابُ : أَنَّ لَهُ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ ، فَفِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَوْ سُلِّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى الْخُصُوصِ ، فَالشَّرْعُ بِجُمْلَتِهِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِهِ ، وَهُوَ مُسْتَمَدٌّ مِنْ قَاعِدَةِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ ، وَسَيَأْتِي بَسْطُهَا بِحَوْلِ اللَّهِ :
فَعَلَى الْقَوْلِ بِإِثْبَاتِهَا أَصْلًا شَرْعِيًّا لَا إِشْكَالَ فِي أَنَّ كُلَّ عِلْمٍ خَادِمٍ لِلشَّرِيعَةِ دَاخِلٌ تَحْتَ أَدِلَّتِهِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمَأْخُوذَةٍ مِنْ جُزْءٍ وَاحِدٍ ، فَلَيْسَتْ بِبِدْعَةٍ أَلْبَتَّةَ .
وَعَلَى الْقَوْلِ بِنَفْيِهَا لَا بُدَّ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الْعُلُومُ مُبْتَدَعَاتٍ ، وَإِذَا دَخَلَتْ فِي عِلْمِ الْبِدَعِ ؛ كَانَتْ قَبِيحَةً ؛ لِأَنَّ كُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ مِنْ غَيْرِ إِشْكَالٍ ، كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَيَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ كَتْبُ الْمُصْحَفِ وَجَمْعُ الْقُرْآنِ قَبِيحًا ، وَهُوَ بَاطِلٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَيْسَ إِذًا بِبِدْعَةٍ . وَيَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ لَهُ دَلِيلٌ شَرْعِيٌّ ، وَلَيْسَ إِلَّا هَذَا النَّوْعُ مِنَ الِاسْتِدْلَالِ ، وَهُوَ الْمَأْخُوذُ مِنْ جُمْلَةِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 52
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٢