تخطي إلى المحتوى الرئيسي

الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 50

مساهمون:

ص٥٠
ثَبَتَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الْمُتَعَلِّقَةَ بِأَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَقْوَالِهِمْ ثَلَاثَةٌ : حُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى الْأَمْرِ ; كَانَ لِلْإِيجَابِ أَوِ النَّدْبِ ، وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى النَّهْيِ ، كَانَ لِلْكَرَاهَةِ أَوِ التَّحْرِيمِ . وَحُكْمٌ يَقْتَضِيهِ مَعْنَى التَّخْيِيرِ ، وَهُوَ الْإِبَاحَةُ . فَأَفْعَالُ الْعِبَادِ وَأَقْوَالُهُمْ لَا تَعْدُو هَذِهِ الْأَقْسَامَ الثَّلَاثَةَ : مَطْلُوبٌ فِعْلُهُ ، وَمَطْلُوبٌ تَرْكُهُ ، وَمَأْذُونٌ فِي فِعْلِهِ وَتَرْكِهِ . وَالْمَطْلُوبُ تَرْكُهُ لَمْ يُطْلَبْ تَرْكُهُ إِلَّا لِكَوْنِهِ مُخَالِفًا لِلْقِسْمَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ ، لَكِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ وَيُنْهَى عَنْهُ لِكَوْنِهِ مُخَالَفَةً خَاصَّةً مَعَ مُجَرَّدِ النَّظَرِ عَنْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَهُوَ إِنْ كَانَ مُحَرَّمًا ; سُمِّيَ فِعْلًا مَعْصِيَةً وَإِثْمًا وَسُمِّيَ فَاعِلُهُ عَاصِيًا وَآثِمًا ، وَإِلَّا ، لَمْ يُسَمَّ بِذَلِكَ ، وَدَخَلَ فِي حُكْمِ الْعَفْوِ ; حَسْبَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَلَا يُسَمَّى بِحَسَبِ الْفِعْلِ جَائِزًا وَلَا مُبَاحًا ، لِأَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الْجَوَازِ وَالنَّهْيِ جَمْعٌ بَيْنَ مُتَنَافِيَيْنِ . وَالثَّانِي : أَنْ يُطْلَبَ تَرْكُهُ وَيُنْهَى عَنْهُ لِكَوْنِهِ مُخَالَفَةً لِظَاهِرِ التَّشْرِيعِ ; مِنْ جِهَةِ ضَرْبِ الْحُدُودِ ، وَتَعْيِينِ الْكَيْفِيَّاتِ ، وَالْتِزَامِ الْهَيْئَاتِ الْمُعَيَّنَةِ ، أَوِ الْأَزْمِنَةِ الْمُعَيَّنَةِ مَعَ الدَّوَامِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهَذَا هُوَ الِابْتِدَاعُ وَالْبِدْعَةُ ، وَيُسَمَّى فَاعِلُهُ مُبْتَدِعًا . فَالْبِدْعَةُ إِذَنْ عِبَارَةٌ عَنْ : طَرِيقَةٍ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٍ ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا الْمُبَالَغَةُ فِي التَّعَبُّدِ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ . وَهَذَا عَلَى رَأْيِ مَنْ لَا يُدْخِلُ الْعَادَاتِ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ ، وَإِنَّمَا
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 50 | إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي / سليم بن عيد الهلالي