يَخُصُّهَا بِالْعِبَادَاتِ ، وَأَمَّا عَلَى رَأْيِ مَنْ أَدْخَلَ الْأَعْمَالَ الْعَادِيَّةَ فِي مَعْنَى الْبِدْعَةِ ، فَيَقُولُ :
الْبِدْعَةُ : طَرِيقَةٌ فِي الدِّينِ مُخْتَرَعَةٌ ، تُضَاهِي الشَّرْعِيَّةَ ، يُقْصَدُ بِالسُّلُوكِ عَلَيْهَا مَا يُقْصَدُ بِالطَّرِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَلَا بُدَّ مِنْ بَيَانِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِّ :
فَالطَّرِيقَةُ وَالطَّرِيقُ وَالسَّبِيلُ وَالسَّنَنُ هِيَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ مَا رُسِمَ لِلسُّلُوكِ عَلَيْهِ .
وَإِنَّمَا قُيِّدَتْ بِالدِّينِ ، لِأَنَّهَا فِيهِ تُخْتَرَعُ ، وَإِلَيْهِ يُضِيفُهَا صَاحِبُهَا ، وَأَيْضًا ; فَلَوْ كَانَتْ طَرِيقَةً مُخْتَرَعَةً فِي الدُّنْيَا عَلَى الْخُصُوصِ ، لَمْ تُسَمَّ بِدْعَةً ; كَإِحْدَاثِ الصَّنَائِعِ وَالْبُلْدَانِ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَلَمَّا كَانَتِ الطَّرَائِقُ فِي الدِّينِ تَنْقَسِمُ ، فَمِنْهَا مَا لَهُ أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَمِنْهَا مَا لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ فِيهَا ، خُصَّ مِنْهَا مَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْحَدِّ ، وَهُوَ الْقِسْمُ الْمُخْتَرَعُ ، أَيْ : طَرِيقَةٌ ابْتُدِعَتْ عَلَى غَيْرِ مِثَالٍ تَقَدَّمَهَا مِنَ الشَّارِعِ ، إِذِ الْبِدْعَةُ إِنَّمَا خَاصَّتُهَا أَنَّهَا خَارِجَةٌ عَمَّا رَسَمَهُ الشَّارِعُ .
وَبِهَذَا الْقَيْدِ انْفَصَلَتْ عَنْ كُلِّ مَا ظَهَرَ لِبَادِي الرَّأْيِ أَنَّهُ مُخْتَرَعٌ مِمَّا هُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالدِّينِ ، كَعِلْمِ النَّحْوِ وَالتَّصْرِيفِ ، وَمُفْرَدَاتِ اللُّغَةِ ، وَأُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأُصُولِ الدِّينِ ، وَسَائِرِ الْعُلُومِ الْخَادِمَةِ لِلشَّرِيعَةِ ، فَإِنَّهَا وَإِنْ لَمْ تُوجَدْ فِي الزَّمَانِ الْأَوَّلِ ، فَأُصُولُهَا مَوْجُودَةٌ فِي الشَّرْعِ :
إِذِ الْأَمْرُ بِإِعْرَابِ الْقُرْآنِ مَنْقُولٌ .
وَعُلُومُ اللِّسَانِ هَادِيَةٌ لِلصَّوَابِ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، فَحَقِيقَتُهَا إِذًا
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 51
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥١