فَهَذِهِ أُمُورٌ أَخْرَجَتِ الذِّكْرَ [ عَنْ وَصْفِهِ ] الْمَشْرُوعِ ؛ كَالَّذِي تَقَدَّمَ مِنَ النَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ ، أَوِ الصَّلَوَاتِ الْمَفْرُوضَةِ إِذَا صُلِّيَتْ قَبْلَ أَوْقَاتِهَا ؛ فَإِنَّا قَدْ فَهِمَنَا مِنَ الشَّرْعِ الْقَصْدَ إِلَى النَّهْيِ عَنْهَا ، وَالْمَنْهِيُّ عَنْهُ لَا يَكُونُ مُتَعَبَّدًا [ بِهِ ] ، وَكَذَلِكَ صِيَامُ يَوْمِ الْعِيدِ .
وَخَرَّجَ ابْنُ وَضَّاحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبَانِ بْنِ أَبِي عَبَّاسٍ ؛ قَالَ : لَقِيتُ طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ الْخُزَاعِيَّ ، فَقُلْتُ لَهُ : قَوْمٌ مِنْ إِخْوَانِكَ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ ، لَا يَطْعَنُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ، يَجْتَمِعُونَ فِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا وَفِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا ، وَيَجْتَمِعُونَ يَوْمَ النَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ ، وَيَصُومُونَهَا ، فَقَالَ طَلْحَةُ : بِدْعَةٌ مِنْ أَشَدِّ الْبِدَعِ ، وَاللَّهِ لَهُمْ أَشَدُّ تَعْظِيمًا لِلنَّيْرُوزِ وَالْمَهْرَجَانِ مِنْ عِيدِهِمْ ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ( رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ) ، فَرَقِيتُ إِلَيْهِ ، وَسَأَلْتُهُ كَمَا سَأَلْتُ طَلْحَةَ ، فَرَدَّ عَلَيَّ مِثْلَ قَوْلِ طَلْحَةَ ؛ كَأَنَّهُمَا كَانَ عَلَى مِيعَادٍ ، فَجَعَلَ صَوْمَ تِلْكَ الْأَيَّامِ مِنْ تَعْظِيمِ مَا تُعَظِّمُهُ النَّصَارَى ، وَذَاكَ الْقَصْدُ لَوْ كَانَ أَفْسَدَ لِلْعِبَادَةِ ؛ فَكَذَلِكَ مَا كَانَ نَحْوَهُ .
وَعَنْ يُونُسَ بْنِ عُبَيْدٍ : أَنْ رَجُلًا قَالَ لِلْحَسَنِ : يَا أَبَا سَعِيدٍ ! مَا تَرَى فِي مَجْلِسِنَا هَذَا ؟ قَوْمٌ مِنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَطْعَنُونَ عَلَى أَحَدٍ ، نَجْتَمِعُ فِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا ، وَفِي بَيْتِ هَذَا يَوْمًا ، فَنَقْرَأُ كِتَابَ اللَّهِ ، وَنَدْعُو لِأَنْفُسِنَا وَلِعَامَّةِ الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالَ : فَنَهَى الْحَسَنُ عَنْ ذَلِكَ أَشَدَّ النَّهْيِ .
وَالنَّقْلُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ ، فَلَوْ لَمْ يَبْلُغِ الْعَمَلُ الزَّائِدُ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ ؛ كَانَ أَخَفَّ ، وَانْفَرَدَ الْعَمَلُ بِحُكْمِهِ وَالْعَمَلُ الْمَشْرُوعِ بِحُكْمِهِ ؛ كَمَا حَكَى ابْنُ وَضَّاحٍ عَنْ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ ؛ قَالَ : كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ الْأَسْوَدِ بْنِ
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 507
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٥٠٧