فِي التَّعْظِيمِ .
وَلَقَدْ حَكَى الْفَرْغَانِيُّ مُذَيِّلُ " تَارِيخِ الطَّبَرِيِّ " عَنِ الْحَلَّاجِ : أَنَّ أَصْحَابَهُ بَالَغُوا فِي التَّبَرُّكِ بِهِ ، حَتَّى كَانُوا يَتَمَسَّحُونَ بِبَوْلِهِ ، وَيَتَبَخَّرُونَ بِعَذْرَتِهِ ، حَتَّى ادَّعَوْا فِيهِ الْإِلَهِيَّةَ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
وَلِأَنَّ الْوِلَايَةَ ؛ وَإِنْ ظَهَرَ لَهَا فِي الظَّاهِرِ آثَارٌ ؛ فَقَدْ يَخْفَى أَمْرُهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي الْحَقِيقَةِ رَاجِعَةٌ إِلَى أَمْرٍ بَاطِنٍ لَا يَعْلَمُهُ إِلَّا اللَّهُ ، فَرُبَّمَا ادُّعِيَتِ الْوِلَايَةُ لِمَنْ لَيْسَ بِوَلِيٍّ ، أَوِ ادَّعَاهَا هُوَ لِنَفْسِهِ ، أَوْ أَظْهَرَ خَارِقَةً مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ هِيَ مِنْ بَابِ الشَّعْوَذَةِ لَا مِنْ بَابِ الْكَرَامَةِ ، أَوْ مِنْ بَابِ السِّحْرِ ، أَوِ الْخَوَاصِّ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، وَالْجُمْهُورُ لَا يَعْرِفُ الْفَرْقَ بَيْنَ الْكَرَامَةِ وَالسِّحْرِ ، فَيُعَظِّمُونَ مَنْ لَيْسَ بِعَظِيمٍ ، وَيَقْتَدُونَ بِمَنْ لَا قُدْوَةَ فِيهِ ، وَهُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْمَفَاسِدِ ، فَتَرَكُوا الْعَمَلَ بِمَا تَقَدَّمَ - وَإِنْ كَانَ لَهُ أَصْلٌ - ؛ لِمَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مِنَ الْفَسَادِ فِي الدِّينِ .
وَقَدْ يَظْهَرُ بِأَوَّلِ وَهْلَةٍ أَنَّ هَذَا الْوَجْهَ الثَّانِيَ أَرْجَحُ ؛ لِمَا ثَبَتَ فِي الْأُصُولِ الْعِلْمِيَّةِ : أَنَّ كُلَّ مَزِيَّةٍ أُعْطِيَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَإِنَّ لِأُمَّتِهِ أُنْمُوذَجًا مِنْهَا ، مَا لَمْ يَدُلَّ دَلِيلٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ .
إِلَّا أَنَّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ رَاجِحٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهُوَ إِطْبَاقُهُمْ عَلَى التَّرْكِ ، إِذْ لَوْ كَانَ اعْتِقَادُهُمُ التَّشْرِيعَ ؛ لَعَمِلَ بَعْضُهُمْ بَعْدَهُ ، أَوْ عَمِلُوا بِهِ - وَلَوْ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ : إِمَّا وُقُوفًا مَعَ أَصْلِ الْمَشْرُوعِيَّةِ ، وَإِمَّا بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ انْتِفَاءِ الْعِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلِامْتِنَاعِ .
الاعتصام ( تحقيق الهلالي ) — صفحة 484
مساهمون: إبراهيم بن موسى اللخمي الشاطبي الغرناطي
ص٤٨٤